قد نصر الدين لساناً ويدا * بنفسه وقى النبيّ أحمدا
شرح
المكتوم مبيّناً للخبايا مظهراً للخفايا ، وألفيتَها بحراً ، ليس له ساحل وجمّاً
لا يحافل ، لا يقاس به كلام العرب العَرباء ، ولا يشبهه أفصح كلام الفصحاء ، ولا أبلغ
أقوال البُلغاء ، فراجع جملة عبائرهم وخطبهم تجدها متضمّنةً أباطيل اللغو ، حاويةً
خرافات الجدّ والهزل ، مفرّغةً في قالب الصياغة ، متكلّفاً بها رعايةً للسجع
والقافية ، كأنّهم جعلوا المعاني تبعاً للألفاظ على سبيل قطع القامة على قدر
اللباس ، وكم فرق بين لدى أهل المعرفة بين الأمرين أوضح من شعاع النيّرين .
وقد تلخّص ممّا عرفت - من أمر شجاعته ( عليه السلام ) وبيانه - أنّه هو الناصر الوحيد
للإسلام والمسلمين ، والمحامي الفريد للشرع المتين .
فإنّه ( عليه السلام ) « قد نصر الدين لساناً » بخُطَبه الغرّاء البليغة ومواعظه الشريفة
الشافية « ويداً » بجهاده وضرباته القاطعة وحملاته في الوغى والغزوات العظيمة
الدامية ، حفظاً لحوزة المسلمين ، وذبّاً للكافرين والمنافقين . مضافاً إلى ما تسالم
عليه المؤالف والمخالف من أهل النفاق واشتهر في الآفاق من أنّه ( عليه السلام ) « بنفسه »
الشريفة « وقى النبيّ أحمدا » ليلة خروجه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كالهارب من مكّة المكرّمة ،
حين ما أحاط المشركون حول داره ، متّفقة كلمتهم على قتله ، فنام الوصيّ ( عليه السلام ) في
فراشه ملبّياً دعوته ، مفادياً بنفسه لنفسه ، متجهّزاً للقتل والفناء ، بدلا عن
نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 1 ) على ما هو دأبه في جميع الحروب والغزوات ، إذ كان يدور حول
النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويطوف بجوانبه الأربعة كالذرّ حول الضوء ، محافظاً عليه من
سيوف المشركين ، ومدافعاً عنه كيد الكافرين ، حين ما كان سائر صحابته - ولا
سيّما المدّعين لأنفسهم الزعامة والخلافة من بعده - منهزمين إلى رؤوس الجبال
كالفَراش المبثوث ، تاركين نبيّهم في عرصة القتال ، كأنّهم الجبال المنفوش ، إذ
يصعدون ولا يلوون على أحد ، والرسول يدعوهم في أُخراهم ، فلا يجيبون
هامش
( 1 ) انظر الفصول المهمّة ( ابن الصبّاغ ) : 48 .