شرح
الغرّاء الطويلة الّتي أنشأها يوم نزول الآية الشريفة بغدير خمّ ، المذكورة في كتب
الفريقين باختلافات يسيرة في بعض ألفاظها .
فمن راجع شرح تلك الوقعة ( * ) ونظر إلى قصّة الغدير بعين صحيحة بعد
هامش
* ومحصّل ذلك على ما رواه جمعٌ كثيرٌ من أعلام الفريقين كالطبري [ 1 ] والخوارزمي [ 2 ]
وأحمد بن حنبل [ 3 ] وغيرهم [ 4 ] عن ابن مسعود وابن عبّاس وبريدة الأسلمي وزيد بن أرقم ،
وأمثالهم ممّن يضيق المقام عن إحصائهم ، وقد استقصى كثيراً منهم مولانا العلاّمة الأميني
المعاصر - دام ظلّه - في كتاب الغدير [ 5 ] والعلاّمة المجلسي ( قدس سره ) في البحار [ 6 ] أنّه لمّا كانت السنة
العاشرة من الهجرة - وهي سنة آخر عمر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - وكان قد بلّغ جميع أحكام الشريعة قومه
غير الحجّ والولاية ، أتاه جبرئيل وقال له : يا محمّد إنّ الله جلّ اسمه يقرؤك السلام ، ويقول لك :
إنّي لم أقبض نبيّاً من أنبيائي ولا رسولا من رُسلي إلاّ بعد إكمال ديني وتأكيد حجّتي ، وقد بقي
عليك من ذلك فريضتان ممّا يحتاج أن تبلّغهما قومك فريضة الحجّ ، وفريضة الولاية والخلافة
من بعدك ، فإنّي لم أخلُ أرضي من حجّة ، ولن أُخليها أبداً ، فالله جلّ ثناؤه يأمرك أن تبلّغ قومك
الحجّ ، وتحجّ ويحجّ معك كلّ من استطاع إليه سبيلا من أهل الحضر والأعراب ، وتعلّمهم من
حجّهم مثل ما علّمتهم من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم ، وتوقفهم من ذلك على مثال الّذي أوقفتهم
عليه من جميع ما بلّغتَهم من الشرائع .
فنادى منادي رسول الله في الناس : ألا إنّ رسول الله يريد الحجّ ، وأن يعلّمكم من ذلك مثل
الّذي علّمكم من شرائع دينكم ، ويوقفكم من ذلك على مثل ما أوقفكم عليه من غيره ، فخرج
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخرج معه من أهل المدينة والأعراب ستّون ألف نسمة ، أو يزيدون بعدد
أصحاب موسى الّذين أخذ عليهم بيعة هارون ( عليه السلام ) فنكثوا ، واتبعوا العجل والسامري . وكذلك أخذ
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) البيعة لعليّ بالخلافة على نحو عدد أصحاب موسى ، فنكثوا البيعة واتّخذوا
العجل والسامري ، سنّة بسنّة ، ومثلا بمثل .
وبالجملة ، خرج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمن معه من المدينة ، واتّصلت التلبية ما بين مكّة والمدينة ،
إلى أن وقف بالموقف فأتاه جبرئيل ، وقال : يا محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إنّ الله عزّ وجلّ يقرؤك السلام ،
ويقول لك : إنّه قد دنى أجلك ومدّتك ، وأنا مستقدمك على ما لابدّ منه ولا عنه محيص ، فاعهد
عهدك ، وقدّم وصيّتك ، واعمد إلى ما عندك من العلم وميراث علوم الأنبياء من قبلك ، والسلاح
والتابوت ، وجميع ما عندك من أثاث الأنبياء ، فسلّمها إلى وصيّك وخليفتك من بعدك ، حجّتي
البالغة على خلقي ، عليّ بن أبي طالب ، فأقمه للناس علماً ، وجدّد عهده وميثاقه وبيعته ، وذكّرهم
ما أخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الّذي واثقتهم به ، وعهدي الّذي عاهدت إليهم من ولاية
وليّي ، ومولاهم ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة عليّ بن أبي طالب ، عبدي ووصيّ نبييّ ، والخليفة من
بعده ، وحجّتي البالغة على خلقي ، مقرون طاعته بطاعة محمّد نبيّي ، ومقرون طاعته مع طاعة
محمّد بطاعتي ، من أطاعه فقد أطاعني ، ومن عصاه فقد عصاني ، جعلته علماً بيني وبين خلقي ،
من عرفه كان مؤمناً ، ومن أنكره كان كافراً ، ومن أشرك بيعته كان مشركاً ، ومن لقيني بولايته
دخل الجنّة ، ومن لقيني بعداوته دخل النار ، فأقم يا محمّد عليّاً عَلَماً ، وخُذ عليهم البيعة ، وجدّد
عهدي وميثاقي بهم الّذي واثقتهم عليه فإنّي قابضك إليَّ ومستقدمك علىَّ .
فخشي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قومه وأهل النفاق والشقاق أن يتفرّقوا ويرجعوا إلى الجاهليّة ، لما
عرف من عداوتهم ، ولما تنطوي عليه أنفسهم لعليّ ( عليه السلام ) من العداوة والبغضاء ، وسأل جبرئيل ( عليه السلام )
أن يسأل ربّه العصمة من الناس ، وانتظر أن يأتيه بذلك من الله جلّ اسمه ، فأخّر ذلك إلى أن بلغ
مسجد الخيف ، فأتاه جبرئيل ، وأمره بأن يعهد عهده ، ويقيم عليّاً عَلَماً للناس ، ولم يأته بالعصمة
بالّذي أراد ، حتّى بلغ كراع الغميم بين مكّة والمدينة ، فأتاه جبرئيل ( عليه السلام ) أيضاً ، وأمره بالّذي أتاه
فيه من قبل الله تعالى ، ولم يأته بالعصمة .
فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يا جبرئيل : إنّي أخشى قومي أن يكذّبوني ولا يقبلوا قولي في عليّ فرحل إلى
أن بلغ غدير خمّ قبل الجُحفة بثلاثة أميال ، فأتاه جبرئيل أيضاً على خمس ساعات مضت من
النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس ، وقال : إنّ الله عزّ وجلّ يقرؤك السلام ، ويقول : ( يا
أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك - في عليّ - وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من
الناس ) [ 7 ] وكان أوائلهم قريباً من الجحفة ، فأمر النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بردّ من تقدّم منهم ، وحبس المتأخّر
منهم في ذلك المكان ، ونادى مناديه في الجموع بالصلاة جامعةً ، وتنحّى عن يمين الطريق إلى
جنب مسجد الغدير ، وأمر بنصب أحجار وسُلّمات كانت هناك كهيئة المنبر ، فقام فوقها ثمّ شرع
في الخطبة ، وقال : الحمد لله الّذي علا في توحّده ، ودَنى في تفرّده ، وجلّ في سلطانه ، وعظُم في
أركانه ، وأحاط بكلّ شيء علماً وهو في مكانه ، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه ، مجيداً لم
يزل ، محموداً لا يزال ، بارئ المسموكات ، وداعي المدحوّات ، وجبّار السماوات ، قدّوسٌ سبّوح ،
ربّ الملائكة والروح ، متفضّل على جميع من برأه ، متطوّل على من أدناه ، يلحظ كلّ عين
والعيون لا تراه ، كريمٌ حليمٌ ذو أناة ، قد وسع كلّ شيء رحمته ، ومنّ عليهم بنعمته ، لا يعجّل
بانتقامه ، ولا يبادر إليهم بما استحقّوا من عذابه ، قد فهم السرائر ، وعلم الضمائر ولم تخف عليه
المكنونات ، ولا اشتبهت عليه الخفيّات ، له الإحاطة بكلّ شيء ، والغلبة على كلّ شيء ، والقوّة في
كلّ شيء ، والقدرة على كلّ شيء ، لا مثله شيء ، وهو منشئ الشيء حين لا شيء ، دائم قائم
بالقسط ، لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم ، جلّ عن أن تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، وهو
اللطيف الخبير ، لا يلحق أحدٌ وصفه من معانيه ، ولا يجد أحدٌ كيف هو مِن سرّ وعلانية إلاّ بما دلّ
عزّ وجلّ على نفسه ، وأشهد بأنّه الّذي لا إله إلاّ هو ، ملأ الدهر قدسه ، والّذي يغشي الأبد نوره ،
والّذي ينفذ أمره بلا مشاورة مشير ، ولا معه شريك في تقدير ، ولا تفاوت في تدبير ، صوّر ما أبدع
على غير مثال ، وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ولا تكلّف ولا احتيال ، أنشأها فكانت ، وبرأها
فبانت ، فهو الله لا إله إلاّ هو ، المتقن الصنعة ، الحسن الصنيعة ، العدل الّذي لا يجور ، والأكرم الّذي
ترجع إليه الأُمور ، وأشهد أنّه الّذي تواضع كلّ شيء لِعَظَمته ، وذلّ كلّ شيء لعزّته ، واستسلم كلّ
شيء لقدرته ، وخشع كلّ شيء لهيبته ، مالك الأملاك ، ومفلك الأفلاك ، ومسخّر الشمس والقمر ،
كلٌّ يجري لأجَل ، يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل ، يطلبه حثيثاً ، قاصم كلّ جبّار
عنيد ، ومهلك كلّ شيطان مريد ، لم يكن معه ضدّ ولا ندّ ، أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له
كفواً أحد ، إله واحد وربّ ماجد ، يشاء فيمضي ، ويريد فيقضي ، ويعلم فيحصي ، ويميت ويحيى ،
ويفقر ويغني ، ويضحك ويبكي ، ويدني ويقصي ، ويمنع ويثري ، له الملك وله الحمد ، بيده الخير
وهو على كلّ شيء قدير ، يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل ، ألا هو العزيز الغفّار ،
مجيب الدعاء ، ومجزل العطاء ، محصي الأنفاس ، وربّ الجنّة والناس ، لا يشكل عليه شيء ،
ولا يضجره صراخ المستصرخين ، ولا يبرمه إلحاح الملحّين ، العاصم للصالحين ، والموفّق
للمفلحين ، ومولى المؤمنين ، وربّ العالمين ، الّذي استحقّ من كلّ مَن خَلَق أن يشكره ويحمده
على السرّاء والضرّاء ، والشدّة والرخاء ، أُومن به وملائكته وكتبه ورسله ، أسمعُ أمرَه ، وأُطيعُ
وأُبادرُ إلى كلّ ما يرضاه ، وأستسلمُ لما قضاه ، رغبةً في طاعته ، وخوفاً من عقوبته ، لأنّه الله الّذي
لا يؤمن مكره ، ولا يخاف جوره ، أُقرّ له على نفسي بالعبوديّة ، وأُشهد له بالربوبيّة ، وأُؤدّي ما
أُوحي إليَّ ، حذراً من أن لا أفعل ، فتحلّ بي مائة قارعة ، لا يدفعها عنّي أحد ، وإن عظمت حيلته ،
لا إله إلاّ هو ؛ لأنّه قد أعلمني إن لم أُبلّغ ما أُنزل إليَّ فما بلّغت رسالته ، وقد ضمن لي تبارك وتعالى
العصمة ، وهو الله الكافي الكريم ، فأوحي إليَّ : ( بسم الله الرحمن الرحيم يا أيّها الرسول بلّغ ما
أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس ) .
معاشر الناس ! ما قصرت في تبليغ ما أنزله إليَّ ، وأنا مبيّن لكم سبب هذه الآية ؛ إنّ جبرئيل
هبط إليّ مراراً ثلاثاً ، يأمرني عن السلام ربّي وهو السلام : أن أقوم في هذا المشهد وأُعلمَ كلّ
أبيض وأسود : أنّ عليّ بن أبي طالب أخي ووصيّي وخليفتي ، والإمام من بعدي ، الّذي محلّه منّي
محلّ هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، وهو وليّكم بعد الله ورسوله ، وأنزل الله تبارك وتعالى
عليَّ بذلك آيةً من كتابه : ( إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون
الزكاة وهم راكعون ) [ 8 ] وعليّ بن أبي طالب أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع ، يريد الله عزّ
وجلّ في كلّ حال ، وسألت جبرئيل أن يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم - أيّها الناس - لعلمي
بقلّة المؤمنين وكثرة المنافقين وأدغال الآثمين ، وختل المستهزئين بالإسلام ، الّذين وصفهم الله
في كتابه بأنّهم : ( يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) [ 9 ] ( وتحسبونه هيّناً وهو عند الله
عظيم ) [ 10 ] وكثرة أذاهم لي غير مرّة ، حتّى سمّوني أُذُناً ، وزعموا أنّي كذلك ، لكثرة ملازمته إيّاي
وإقبالي عليه ، حتّى أنزل الله عزّ وجلّ في ذلك : ( ومنهم الّذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أُذن قل
أُذن خير لكم ) [ 11 ] ولو شئت أن أُسمّي القائلين بذلك بأسمائهم لسمّيت ، وأن أُومئ إليهم بأعيانهم
لأومأت ، وأن أدلَّ عليهم لَدَلَلْتُ ، ولكنّي والله في أُمورهم قد تكرّمتُ ، وكلّ ذلك لا يرضي الله منّي
إلاّ أن أُبلّغ ما أنزل الله إليَّ : ( يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك ( في عليّ ) وإن لم تفعل
فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس ) [ 12 ] .
فاعلموا معاشر الناس : إنّ الله قد نصبه لكم وليّاً وإماماً ، مفترضةٌ طاعته على المهاجرين
والأنصار ، وعلى التابعين بإحسان ، وعلى البادي والحاضر ، وعلى الأعجمي والعربي ، والحرّ
والمملوك ، والصغير والكبير ، وعلى الأبيض والأسود وعلى كلّ موحّد ماض حكمه جائز قوله ،
نافذ أمره . ملعون من خالفه ، مرحوم من تبعه ومن صدّقه ، فقد غفر الله له ولمن سمع منه وأطاع له .
معاشر الناس ! إنّه آخر مقام أقومه في هذا المشهد ، فاسمعوا وأطيعوا ، وانقادوا لأمر ربّكم ،
فإنّ الله - عزّوجلّ - هو وليّكم وإلهكم ، ثمّ من دونه رسولكم محمّد وليّكم والقائم المخاطب لكم ،
ثمّ من بعدي عليّ وليّكم ، وإمامكم بأمر الله ربّكم ، ثمّ الإمامة في ذرّيّتي من ولده إلى يوم تلقون
الله عزّ اسمه ورسوله ، لا حلال إلاّ ما أحلّه الله ، ولا حرام إلاّ ما حرّمه الله ، عرفني الله الحلال
والحرام ، وأنا أفضيت بما علّمني ربّي من كتابه ، وحلاله وحرامه إليه .
معاشر الناس ! ما من علم إلاّ وقد أحصاه الله فيَّ ، وكلّ علم عُلّمت فقد أحصيته في إمام
المتّقين ، وما من علم إلاّ علّمته عليّاً ، وهو الإمام المبين .
معاشر الناس ! لا تضلّوا عنه ولا تنفروا منه ، ولا تستنكفوا من ولايته ، فهو الّذي يهدي إلى
الحقّ ويعمل به ، ويزهق الباطل وينهى عنه ، ولا تأخذه في الله لومة لائم . ثمّ إنّه أوّل من آمن بالله
ورسوله ، والّذي فدى رسول الله بنفسه ، والّذي كان مع رسول الله ولا أحد يعبد الله مع رسول الله
من الرجال غيره .
معاشر الناس ! فَضِّلوه فقد فضّله الله ، واقبلوه فقد نصبه الله .
معاشر الناس ! إنّه إمام من الله ، ولن يتوب الله على أحد أنكر ولايته ، ولن يغفر له ، حتماً
على الله أن يفعل ذلك بمن خالف أمره فيه ، وأن يعذّبه عذاباً نكراً أبد الآبد ودهر الدهور ،
فاحذروا أن تخالفوا فتصلوا ناراً ( وقودها الناس والحجارة أُعدّت للكافرين ) [ 13 ] .
أيّها الناس ! بي والله بشّر الأوّلون من النبيّين والمرسلين ، وأنا خاتم الأنبياء والمرسلين ،
والحجّة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والأرضين ، فمن شكّ في ذلك فهو كافر كفرَ
الجاهليّة الأُولى ، ومن شكّ في شيء من قولي هذا فقد شكّ في كلّ ما أُنزل عليَّ ( ومن شكّ في
واحد من الأئمّة فقد شكّ في الكلّ منه ) [ 14 ] والشاكّ في ذلك فله النار .
معاشر الناس ! حباني الله بهذه الفضيلة مَنّاً منه عليَّ وإحساناً منه إليَّ ولا إله إلاّ هو ، له
الحمد منّي أبد الآبدين ودهر الداهرين على كلّ حال .
معاشر الناس ! فضّلوا عليّاً ، فإنّه أفضل الناس بعدي من ذكر وأُنثى ، بنا أنزل الله الرزق
وبقي الخلق ، ملعون ملعون ، مغضوب مغضوب من ردّ قولي هذا وإن لم يوافقه ، إلاّ أنّ جبرئيل
أخبرني عن الله تعالى بذلك ، ويقول : من عادى عليّاً ولم يتولّه فعليه لعنتي وغضبي ( ولتنظر
نفس ما قدّمت لغد واتّقوا الله ) [ 15 ] أن تخالفوه فتزّل قدم بعد ثبوتها ( إنّ الله خبير بما تعملون ) [ 16 ] .
معاشر الناس ! إنّه جنب الله الّذي نزّل في كتابه : ( يا حسرتي على ما فرّطت في جنب الله ) [ 17 ] .
معاشر الناس ! تدبّروا القرآن وافهموا آياته ، وانظروا إلى محكماته ، ولا تتّبعوا متشابهه ،
فوالله لن يبيّن لكم زواجره ، ولا يوضح لكم تفسيره إلاّ الّذي أنا آخذ بيده ومصعده إليَّ وشائل
بعضده ، ومعلمكم أنّ " من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه " وهو عليّ بن أبي طالب أخي ووصيّي ،
وموالاته من الله عزّ وجلّ أنزلها عليَّ .
معاشر الناس ! إنّ عليّاً والطيّبين من ولدي هم الثقل الأصغر ، والقران هو الثقل الأكبر ، وكلّ
واحد منهما منبئ عن صاحبه وموافق له ، لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض ، ألا إنّهم أُمناءُ الله في
خلقه وحكماؤه في أرضه ، ألا وقد أدّيت ، ألا وقد بلّغت ، ألا وقد أسمعت ، ألا وقد أوضحت ، ألا
وإنّ الله عزّ وجلّ قال وأنا قلت عن الله عزّ وجلّ ، ألا إنّه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا ،
ولا تحلّ إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره . ثمّ ضرب بيده على عضد عليّ ، وكان عليّ ( عليه السلام ) دون
مقامه بدرجة ، فرفعه حتّى صارت رجله مع ركبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثمّ قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
معاشر الناس ! هذا عليّ أخي ووصيّي وواعي علمي ، وخليفتي على أُمّتي وعلى تفسير
كتاب الله عزّ وجلّ ، والداعي إليه ، والعامل بما يرضاه ، والمحارب لأعدائه والموالي على طاعته ،
والناهي عن معصيته ، خليفة رسول الله ، وأمير المؤمنين والإمام الهادي ، وقاتل الناكثين
والقاسطين والمارقين بأمر الله . أقول : ما يُبدّل القول لديّ بأمر ربّي . أقول : اللّهمّ والِ من والاه
وعادِ من عاداه ، والعن من أنكره واغضب على من جحد حقّه . اللّهمّ إنّك أنزلت عليَّ أنّ الإمامة
لعليّ وليّك عند تبياني ذلك عليهم ، ونصبي إيّاه بما أكملت لعبادك من دينهم وأتممت عليهم
نعمتك ورضيت لهم الإسلام ديناً ، فقلت : ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في
الآخرة من الخاسرين ) [ 18 ] اللّهمّ إنّي أُشهدك أنّي قد بلّغت .
معاشر الناس ! إنّما أكمل الله عزّ وجلّ دينكم بإمامته ، فمن لم يأتمّ به وبمن يقوم مقامه من
ولدي من صلبه إلى يوم القيامة والعرض على الله عزّ وجلّ ( أُولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم
خالدون ) [ 19 ] ( لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) [ 20 ] .
معاشر الناس ! هذا عليّ أنصركم لي ، وأحقّكم بي ، وأقربكم إليَّ ، وأعزّكم عليَّ ، والله
عزّوجلّ وأنا عنه راضيان ، وما نزلت آية رضا إلاّ فيه ، وما خاطب الله الّذين آمنوا إلاّ بدأ به ،
ولا نزلت آية مدح في القرآن إلاّ فيه ، ولا شهد الله بالجنّة في " هل أتى على الإنسان " إلاّ له ، ولا
أنزلها في سواه ، ولا مدح بها غيره .
معاشر الناس ! هو ناصر دين الله ، والمجادل عن رسول الله وهو التقيّ النقيّ ، والهاديّ
المهديّ ، نبيّكم خير نبيّ ، ووصيّكم خير وصيّ ، وبنوه خير الأوصياء .
معاشر الناس ! ذريّة كلّ نبيّ من صلبه ، وذرّيّتي من صلب عليّ .
معاشر الناس ! إنّ إبليس أخرج آدم من الجنّة بالحسد ، فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم ، وتزلّ
أقدامكم ، فإنّ آدم أُهبط إلى الأرض بخطيئة واحدة ، وهو صفوة الله عزّ وجلّ ، فكيف بكم وأنتم
أنتم ومنكم أعداء الله ! ألا إنّه لا يبغض عليّاً إلاّ شقيّ ، ولا يتوالى عليّاً إلاّ تقيّ ، ولا يؤمن به إلاّ
مؤمن مخلص ، في عليّ والله نزلت سورة " العصر " ( بسم الله الرحمن الرحيم * والعصر * إنّ
الإنسان لفي خسر * إلاّ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر ) .
معاشر الناس ! إنّي أستشهد الله أن بلّغتكم رسالته ، ( وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين ) [ 21 ] .
معاشر الناس ! ( اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ) [ 22 ] .
معاشر الناس ! آمنوا بالله ورسوله والنور الّذي أُنزل معه ( من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها
على أدبارها ) [ 23 ] .
معاشر الناس ! النور من الله عزّ وجلّ فيَّ مسلوك ، ثمّ في عليّ ، ثمّ في النسل منه إلى القائم
المهدي الّذي يأخذ بحقّ الله وبكلّ حقّ هو لنا ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ قد جعلنا حجّة على المقصّرين
والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين والظالمين والغاصبين من جميع العالمين .
معاشر الناس ! أُنذركم أنّي رسول الله قد خلت من قبلي الرسل أفإن متُّ أو قتلت ( انقلبتم
على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) [ 24 ] ألا وإنّ
عليّاً هو الموصوف بالصبر والشكر ، ثمّ من بعده ولدي من صلبه .
معاشر الناس ! لا تمنّوا على الله إسلامكم فيسخط عليكم ، فيصيبكم بعذاب من عنده ، إنّه
لبالمرصاد .
معاشر الناس ! سيكون من بعدي ( أئمّة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ) [ 25 ]
معاشر الناس ! إنّ الله وأنا بريئان منهم .
معاشر الناس ! إنّهم وأنصارهم وأشياعهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار ( فلبئس
مثوى المتكبّرين ) [ 26 ] ألا إنّهم أصحاب الصحيفة ، فلينظر أحدكم في صحيفته .
معاشر الناس ! إنّي أدعها إمامة ووراثة في عقبي إلى يوم القيامة ، وسيجعلونها مُلكاً
واغتصاباً ، ألا لعن الله الغاصبين والمغتصبين ، وعندها ( سنفرغ لكم أيُّه الثقلان ) [ 27 ] ( يرسل
عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ) [ 28 ] .
معاشر الناس ! إنّ الله عزّ وجلّ لم يكن يذركم على ما أنتم عليه ( حتّى يميز الخبيث من
الطيّب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) [ 29 ] .
معاشر الناس ! إنّه ما من قرية إلاّ والله مهلكها بتكذيبها ، وكذلك يهلك القرى وهي ظالمة ،
كما ذكر الله تعالى ، وهذا إمامكم ووليّكم ، وهو مواعيد الله ، والله يصدّق وعده .
معاشر الناس ! قد ضلّ قبلكم أكثر الأوّلين ، والله قد أهلك الأوّلين ، وهو مهلك الآخرين .
معاشر الناس ! إنّ الله قد أمرني ونهاني ، وقد أمرت عليّاً ونهيته ، فعلم الأمر والنهي من ربّه
عزّ وجلّ ، فاسمعوا لأمره تسلموا وأطيعوه تهتدوا ، وانتهوا لنهيه ترشدوا ، وصيروا إلى مراده ، ولا
تتفرّق بكم السبل عن سبيله .
معاشر الناس ! أنا صراط الله المستقيم الّذي أمركم باتّباعه ، ثمّ عليّ من بعدي ، ثمّ ولدي من
صلبه أئمّة ( يهدون بالحقّ وبه يعدلون ) [ 30 ] .
ثمّ قرأ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سورة " الحمد " إلى آخرها ، وقال : فيَّ نزلت ولهم عمّت وإيّاهم خصّت
أُولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( ألا إنّ حزب الله هم المفلحون ) [ 31 ] الغالبون .
ألا إنّ أعداء عليّ هم أهل الشقاق العادون ، وإخوان الشياطين الّذين ( يوحي بعضهم إلى
بعض زخرف القول غروراً ) [ 32 ] ألا إنّ أولياءهم هم المؤمنون الّذين ذكرهم الله فقال عزّ وجلّ :
( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ) [ 33 ] إلى آخر الآية . ألا إنّ
أولياءهم هم الّذين وصفهم الله عزّ وجلّ فقال : ( الّذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أُولئك لهم
الأمن وهم مهتدون ) [ 34 ] ألا إنّ أولياءهم الّذين يدخلون الجنّة آمنين ( وتتلقّاهم الملائكة ) [ 35 ]
بالتسليم أن ( طبتم فادخلوها خالدين ) [ 36 ] ألا إنّ أولياءهم الّذين قال الله عزّ وجلّ ( يدخلون
الجنّة يُرزقون فيها بغير حساب ) [ 37 ] ألا إنّ أعداءهم الّذين يصلون سعيراً . ألا إنّ أعداءهم الّذين
يسمعون لجهنّم شهيقاً وهي تفور ولها زفير ( كلّما دخلت أُمّة لعنت أُختها ) [ 38 ] ألا إنّ أعداءهم
الّذين قال الله عزّ وجلّ : ( كلّما أُلقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا
نذير فكذّبنا وقلنا ما نزّل الله من شيء إن أنتم إلاّ في ضلال كبير * وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل
ما كنّا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير ) [ 39 ] ألا ( إنّ ) أولياءهم
( الّذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ) [ 40 ] .
معاشر الناس ! شتّان ما بين السعير والجنّة ، فعدوّنا من ذمّه الله ولعنه ، ووليّنا من مدحه الله وأحبّه .
معاشر الناس ! ألا وإنّي منذر وعليّ هاد .
معاشر الناس ! إنّي نبيّ وعليّ وصيّي ألا إنّ خاتم الأئمّة منّا القائم المهديّ . ألا إنّه هو الظاهر
على الدين إلاّ إنّه المنتقم من الظالمين . ألا إنّه فاتح الحصون وهادمها . ألا إنّه قاتل كلّ قبيلة من
أهل الشرك . ألا إنّه المدرك بكلّ ثار لأولياء الله عزّ وجلّ . ألا إنّه الناصر لدين الله . ألا إنّه الغرّاف
من بحر عميق . ألا إنّه قسيم كلّ ذي فضل بفضله ، وكلّ ذي جهل بجهله . ألا إنّه خيرة الله
ومختاره . ألا إنّه وارث كلّ علم والمحيط به . ألا إنّه المخبر عن ربّه عزّ وجلّ ، والمنبّه بأمر إيمانه .
ألا إنّه الرشيد السديد . ألا إنّه المفوّض إليه . ألا إنّه قد بشّر به من سلف بين يديه . ألا إنّه الباقي
حجّة ولا حجّة بعده ، ولا حقّ إلاّ معه ، ولا نور ولا فوز إلاّ عنده . ألا إنّه لا غالب له ، ولا منصور
عليه . ألا وإنّه وليّ الله في أرضه وحكمه في خلقه وأمينه في سرّه وعلانيته .
معاشر الناس ! قد بيّنت لكم وأفهمتكم ، وهذا عليٌّ يفهمكم بعدي . ألا وإنّ عند انقضاء خطبتي
أدعوكم إلى مصافقتي على بيعته والإقرار به ، ثمّ مصافقته بعدي . ألا إنّي قد بايعت الله ، وعليٌّ قد
بايعني ، وأنا آخذكم بالبيعة له عن الله عزّوجلّ ( فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه ) [ 41 ] الآية .
معاشر الناس ! إنّ الحجّ والعمرة من شعائر الله ، و ( إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ
البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ) [ 42 ] إلى آخر الآية .
معاشر الناس ! حجّوا البيت ، فما ورده أهل بيت إلاّ استغنوا ، ولا تخلّفوا عنه إلاّ افتقروا .
معاشر الناس ! ما وقف بالموقف مؤمن إلاّ غفر الله له ما سلف من ذنبه إلى وقته ذلك ، فإذا
انقضت حجّته استؤنف عمله عليه .
معاشر الناس ! الحُجّاج معانون ، ونفقاتهم مخلّفة ( إنّ الله لا يضيع أجر المحسنين ) [ 43 ] .
معاشر الناس ! حجّوا البيت بكمال الدين والتفقّه ، ولا تنصرفوا عن المشاهد إلاّ بتوبة وإقلاع .
معاشر الناس ! أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة كما أمركم الله عزّ وجلّ ، لئن طال عليكم الأمد
فقصّرتم أو نسيتم ، فعليٌّ وليّكم ، ويبيّن لكم الّذي نصبه الله عزّ وجلّ بعدي ، أو من خلّفه الله منّي
ومنه ، يخبركم بما تسألون عنه ، ويبيّن لكم ما لا تعلمون . ألا إنّ الحلال والحرام أكثر من أن
أُحصيهما وأُعرّفهما ، فآمر بالحلال ، وأنهى عن الحرام في مقام واحد ، فأمرت أن آخذ البيعة
عليكم ، والصفقة لكم بقبول ما جئت به عن الله عزّ وجلّ في عليّ أمير المؤمنين ، والأئمّة من بعده
الّذين هم منّي ، ومنه أئمّة قائمهم فيهم المهديّ إلى يوم القيامة الّذي يقضي فيه بالحقّ .
معاشر الناس ! وكلّ حلال دللتكم عليه ، وكلّ حرام نهيتكم عنه ، فإنّي لم أرجع عن ذلك ولم
أُبدّل . ألا فاذكروا ذلك واحفظوه وتواصوا به ، ولا تبدّلوه ولا تغيّروه . ألا وإنّي أُجدّد القول . ألا
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر . ألا وإنّ رأس الأمر بالمعروف أن
تنتهوا إلى قولي وتبلّغوه من لم يحضره تأمروه بقبوله وتنهوه عن مخالفته ، فإنّه أمرٌ من الله عزّ
وجلّ ومنّي ، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلاّ مع إمام معصوم .
معاشر الناس ! القرآن يعرّفكم أنّ الأئمّة من بعده ولده ، وعرّفتكم أنّهم منّي ومنه ، حيث
يقول الله عزّ وجلّ : ( كلمةً باقيةً في عقبه ) [ 44 ] وقلت : لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما .
معاشر الناس ! التقوى التقوى ، واحذروا الساعة كما قال الله عزّ وجل : ( إنّ زلزلة الساعة
شيء عظيم ) [ 45 ] اذكروا الممات والحساب والموازين ، والمحاسبة بين يدي ربّ العالمين ،
والثواب والعقاب ، ومن جاء بالحسنة أُثيب ، ومن جاء بالسيئة فليس له في الجنان نصيب .
معاشر الناس ! إنّكم أكثر من أن تصافقوني بكفّ واحدة في وقت واحد ، وأمرني الله
عزّ وجلّ أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقّدت لعليّ من إمرة المؤمنين ، ومن جاء بعده من
الأئمّة منّي ومنه ، على ما أعلمتكم أنّ ذرّيّتي من صلبه ، فقولوا بأجمعكم : إنّا سامعون مطيعون
راضون منقادون لما بلّغت عن ربّنا وربّك في أمر عليّ وأمر ولده من صلبه الأئمّة ، نبايعك على
ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا ، على ذلك نحيى ونموت ونبعث ، لا نغيّر ولا نبدّل ولا نشكّ
ولا نرتاب ، ولا نرجع عن عهد ، ولا ننقض الميثاق ، ونطيع الله ، وعليّاً أمير المؤمنين ، وولده الأئمّة
الّذين ذكرتهم من ذرّيتك من صلبه بعده الحسن والحسين ، الّذَين قد عرّفتكم مكانهما منّى
ومحلّهما عندي ، ومنزلتهما من ربّي ، فقد أدّيت ذلك إليكم ، فإنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة ، وإنّهما
الإمامان بعد أبيهما عليّ ، وأنا أبوهما قبله ، فقولوا : أطعنا الله بذلك وإيّاك وعليّاً والحسن والحسين
والأئمّة الّذين ذكرت عهداً وميثاقاً مأخوذاً لأمير المؤمنين من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا ومصافقة
أيدينا . مَنْ أدركهما بيده وأقرّ بهما بلسانه ، لا نبتغي بذلك بدلا ، ولا نرى من أنفسنا عنه حولا أبداً ،
نحن نؤدّي ذلك عنك الداني والقاصي من أولادنا وأهالينا ، أشهدنا الله وكفى بالله شهيداً ، وأنت علينا
به شهيد ، وكلّ من أطاع ممّن ظهر واستتر ، وملائكة الله وجنوده وعبيده ، والله أكبر من كلّ شهيد .
معاشر الناس ! ما تقولون ؟ فإنّ الله يعلم كلّ صوت ، وخافية كلّ نفس ( فمن اهتدى فلنفسه
ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها ) [ 46 ] ومن بايع ، فإنّما يبايع الله ( يد الله فوق أيديهم ) [ 47 ] .
معاشر الناس ! فاتّقوا الله ، وبايعوا عليّاً أمير المؤمنين - صلوات الله عليه والحسن والحسين
والأئمّة ( عليهم السلام ) كلمةً باقيةً بكلمة يهلك الله من غدر ويرحم من وفى ( فمن نكث فإنّما ينكث على
نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً ) [ 48 ] .
معاشر الناس ! قولوا الّذي قلت لكم ، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين ، وقولوا : ( سمعنا
وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير ) [ 49 ] وقولوا : ( الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي
لولا أن هدانا الله ) [ 50 ] .
معاشر الناس ! إنّ فضائل عليّ بن أبي طالب عند الله عزّ وجلّ وقد أنزلها في القرآن أكثر من
أن أُحصيها في مقام واحد ، فمن أنبأكم بها وعرفها فصدّقوه .
معاشر الناس ! من يطع الله ورسوله وعليّاً والأئمّة الّذين ذكرتهم ، فقد فاز فوزاً عظيماً .
معاشر الناس ! السابقون السابقون إلى مبايعته وموالاته والتسليم عليه بإمرة المؤمنين ،
أُولئك الفائزون في جنّات النعيم .
معاشر الناس ! قولوا ما يرضي الله عنكم من القول : ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض
جميعاً ) [ 51 ] ( فلن يضرّ الله شيئاً ) [ 52 ] اللّهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، واغضب على الكافرين
والكافرات ، والحمد لله ربّ العالمين .
فنادته الأقوام وجموع الحاضرين : نعم سمعنا وأطعنا أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا
وأيدينا . ثمّ تداكّوا [ 53 ] على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلى عليّ ( عليه السلام ) وصافقوهما بأيديهم ، فكان أوّل من
صافقهما الشيخان ، فقال ثانيهما : بخٍّ بخٍّ لك يا أبا الحسن ! أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن
ومؤمنة ، ثمّ الثالث والرابع والخامس ، ثمّ باقي الناس عن آخرهم على قدر منازلهم .
وفي رواية ابن عبّاس ( رضي الله عنه ) هذه الزيادة عن قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : معاشر الناس : من أحسن من
الله قيلا ، ومن أصدق من الله حديثاً ، إنّ ربّكم جلّ جلاله أمرني أن أُقيم عليّاً عَلَماً للناس ، وخليفةً
وإماماً ووصيّاً ، وأن أتّخذه أخاً ووزيراً .
معاشر الناس ! إنّ عليّاً باب الهدى من بعدي ، والداعي إلى ربّي ، وهو صالح المؤمنين ( ومن
أحسن قولا ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين ) [ 54 ] .
معاشر الناس ! إنّ عليّاً منّي ، ولده ولدي ، وهو زوج ابنتي وحبيبتي ، أمره أمري ونهيه نهيي .
معاشر الناس ! عليكم بطاعته ، واجتناب معصيته ، فإنّ طاعته طاعتي ، ومعصيته معصيتي .
معاشر الناس ! إنّ عليّاً صدّيق هذه الأُمّة وفاروقها ومحدّثها ، وإنّه هارونها ويوشعها وآصفها
وشمعونها ، وإنّه باب حطّتها ، وسفينة نجاتها ، إنّه طالوتها وذو قرنيها .
معاشر الناس ! إنّه محنة الورى ، والحجّة العظمى ، والآية الكبرى ، وإمام أهل الدنيا ، والعروة الوثقى .
معاشر الناس ! إنّ عليّاً قسيم النار لا يدخلها وليّ له ولا ينجو منها عدوّ له ، وإنّه قسيم الجنّة
لا يدخلها عدوّ له ولا يزحزح عنها وليّ له .
معاشر أصحابي ! قد نصحت لكم ولكن لا تحبّون الناصحين .
ثمّ نادى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) برفيع صوته أسمع الجموع عن آخرهم ، وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أيّها الناس ! ألست
أولى بكم من أنفسكم ، فارتفعت الأصوات من كلّ الجهات وقالوا : بلى اللّهمّ بلى ، فنادى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
" ألا من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، ألا من كنت نبيّه فهذا عليّ أميره ، اللّهمّ وال من والاه ، وعاد
من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله " ثمّ نزل ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من علا منبره ، وأقام في الموضع
ثلاثة أيّام حتّى أخذ البيعة لعليّ من جميع من معه من الرجال والنساء ، وقد بلغ عددهم مائة
وعشرين ألف نسمة .
[ 1 ] دلائل الإمامة : 18 ، وانظر كتاب فضائل عليّ بن أبي طالب وكتاب الولاية : 14 فما بعد .
[ 2 ] المناقب : 155 / 183 .
[ 3 ] فضائل الصحابة 2 : 596 / 1016 ، مسند أحمد 1 : 84 و 88 و 119 وج 4 : 368 .
[ 4 ] المستدرك ( الحاكم ) 3 : 109 فضائل الصحابة ، مجمع الزوائد 1 : 9 وج 9 : 104 .
[ 5 ] الغدير 1 : 9 .
[ 6 ] بحار الأنوار 37 : 201 .
[ 7 ] المائدة : 67 .
[ 8 ] المائدة : 55 .
[ 9 ] الفتح : 11 .
[ 10 ] النور : 15 .
[ 11 ] التوبة : 61 .
[ 12 ] المائدة : 67 .
[ 13 ] البقرة : 24 . .
[ 14 ] ما بين القوسين ليس في البحار .
[ 15 ] الحشر : 18 .
[ 16 ] المائدة : 8 .
[ 17 ] الزمر : 56
[ 18 ] آل عمران : 85 .
[ 19 ] التوبة : 17 .
[ 20 ] البقرة : 162 .
[ 22 ] النور : 54 . .
[ 21 و 23 ] آل عمران : 102 و 144 .
[ 24 ] النساء : 47 .
[ 25 ] القصص : 41 .
[ 26 ] النحل : 29 .
[ 27 و 28 ] الرحمان : 31 و 35 .
[ 29 ] آل عمران : 179 .
[ 30 ] الأعراف : 181 .
[ 31 ] المجادلة : 22 .
[ 32 و 34 ] الأنعام : 112 و 82 .
[ 33 ] المجادلة : 22 .
[ 35 ] الأنبياء : 103 .
[ 36 ] الزمر : 73 . .
[ 37 ] غافر : 40 .
[ 38 ] الأعراف : 38 .
[ 39 ] الملك : 8 - 11 . .
[ 40 ] الملك : 12 .
[ 41 ] الفتح : 10 .
[ 42 ] البقرة : 158 .
[ 43 ] التوبة : 120 .
[ 44 ] الزخرف : 28 .
[ 45 ] الحجّ : 1 .
[ 46 ] الزمر : 41 .
[ 47 ] الفتح : 10 .
[ 48 ] الفتح : 10 .
[ 49 ] البقرة : 285 .
[ 50 ] الأعراف : 43 .
[ 51 ] إبراهيم : 8 .
[ 52 ] آل عمران : 144 .
[ 53 ] أي : ازدحموا .
[ 54 ] فصّلت : 33 .