فأسلم الطيّب منهم وجحد * من صدّه ضلاله عن الرشد
فآل أمرهم إلى التحارب * فقابلوا الكتاب بالكتائب
وآذنوا بالحرب والكفاح * فعارضوا المصحف بالصفاح
شرح
أقرّوا » بأجمعهم ، وإن اختلفوا في تسميته تخلّصاً من الخضوع له .
« فقيل : معجز » والقائل به هم المنصفون الطيّبون .
« وقيل : سحر » والقائل به هم المعاندون المتفرعنون ، تبعاً للوليد بن المغيرة ( 1 ) .
وكان يومئذ أكبرهم سنّاً ، وأفصحهم منطقاً ، وأغناهم مالا ، وأوجههم قدراً ،
وأكثرهم ولداً .
« فأسلم الطيّب منهم » وهو ذو السريرة الحسنة . ولكن الخبيث منهم عاند
« وجحد » الحقّ بعد معرفته وهو « من صدّ ضلاله عن الرشد » .
فاستعدوا ونهضوا لدحض كلمة الحقّ بكلّ جدّ وجهد « فآل أمرهم إلى
التحارب » والقتال « فقابلوا الكتاب » الكريم « بالكتائب » من الجيوش المسلّحة ،
« وآذنوا » مُعلنين « بالحرب والكفاح » أي الدفاع بمباشرة النفوس وجهاً بوجه ،
من غير حجاب ولا واسطة ؛ حرصاً على الغلبة .
هامش
( 1 ) فإنّه لما قرأ عليه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سورة حم السجدة أخذ اللعين يصغو له بتفكّر وإعجاب
وتدبّر وإكبار حتّى دهش بسماع ما فيها من آيات التهديد والوعيد إلى أن بلغ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في
قراءته لقوله جلّ وعلا : ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة . . . الخ ) فتغيّر لون الرجل وارتعدت
فرائصه وأشرف على الهلاك وأقسم على النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالكفّ والسكوت ثمّ ولّى منصرفاً إلى بيته
واجتمع إليه قومه يقدمهم ابن أُخته أبو جهل وأخذوا يلومونه ظنّاً منهم أنّه صبا إلى دين
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأنكر ذلك أشدّ إنكار ثمّ ذكر شيئاً كثيراً من مزايا ما سمعه من القرآن الكريم معجباً
بها فأخذوا يشاورونه في رمي القرآن بالخطبة أو الشعر أو الكهانة وأمثالها ممّا يحطّ بقدره أو
رمي النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالجنون أو الكذب وهو لا يوافقهم على شيء منها حذراً من تكذيب القبائل
لهم في ذلك كلّه إلى أن أشار عليهم برمي القرآن بالسحر لشدّة تأثيره في النفوس وأخذه بمجامع
القلوب كالسحر ونزل فيه قوله تعالى : ( ذرني ومن خلقت وحيداً - إلى قوله سبحانه : - فقال إنّ
هذا إلاّ سحر يؤثر ) إلى آخر سورة المدّثر .