فكم وكم من جدّ فيه واجتهد * فلم يقم بالأمر إلاّ وقعد
شرح
« عند من تأمّلا » وأنصف إن كان من أهل الفنّ والدراية .
فإنّ المنادي بكلّ ذلك وهو النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد قرع بها مسامعهم ، وهم
كما ذكرنا فصحاء الحجاز ، وبلغاء البطحاء ، ووجوه القبائل ، وأكابر الفراعنة ،
وطواغيت البلاد ، وصناديد قريش ، ورؤساء جزيرة العرب ، ولهم العدّة والعدد
على قدر الحصى والرمل ، وهم ذوو العزّ والثروة ، وأهل الذخائر والعشائر ، وفيهم
العصبية المشومة ، وحمية الجاهلية .
وكانوا متفانين في سبيل المباهات والمفاخرة ، والرئاسة والغلبة ، والجاه
والعظمة ، معجبين بما فيهم من فصاحة المنطق وبلاغة البيان وهم العرب القح ،
واللسان الفذّ .
وكانوا أقوم فهماً ، وأحدّ ذهناً ، وأدقّ فكراً من الأُمم السالفة الإسرائيليّة
وغيرها ، بحيث كانوا يعلّقون على الكعبة المعظمة منشئاتهم المتناهية بزعمهم في
الجودة والفصاحة والحسن والبلاغة .
إلى أن فاجأهم النبيّ الأُمّيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على ما هو عليه من الاستضعاف والوحدة
وقلّة ذات اليد بهذا الكتاب الكريم الحاوي لتلك المحسنات المُشار إليها ، فقامت
قيامتهم حسداً وانتفخت أوداجهم حقداً وكمداً .
ولا سيّما بعد تحدّياته المتكرّرة برفيع صوته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مجامعهم . فشمّروا
أذيالهم ، وبذلوا أموالهم وتكافؤوا ، وانضمّ بعضهم إلى بعض مهتمّين إلى الغاية في
إجابة تحدّياته ، باذلين نهاية الجهد في معارضته .
ولهم في ذلك قصص وحكايات مذكورة في كتب التواريخ والأحاديث .
« فكم وكم من » سعى في أمر المعارضة ، و « جدّ فيه واجتهد » في دحض
الحقّ ، ومخاصمته بالباطل .
« فلم » يمكنه ذلك ، ولم « يقم بالأمر » الّذي اهتمّ به « إلاّ وقعد » عجزاً عن
تنفيذه ، ووهناً وخجلا عن معارضته .