فما أتوا بسورة بل آية * رواية آيتها الدراية
وفرقة قد خلصوا نجيّا * كيما يباروا الملك العليّا
فما أتوا ممّا ابتغوه جهلا * إلاّ بما تَضحك منه الثكلى
شرح
« فما أتوا » بعد الاجتهاد البليغ « بسورة » طويلة ولا قصيرة « بل »
ولا « آية » واحدة . وتلك « رواية آيتها الدراية » وعلامة صدقها الوجدان .
فإنّ تلك القبائل العظيمة على ما كانوا عليه من التعاضد ، واتّفاق الكلمة على
معاداة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتفانيهم في إبطال أمره ، ودحض كلمته ، مع ما كان لهم من العزّ
والابّهة ، والغنى والثروة لو أمكنهم معارضته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالكلام لما بذلوا النفس
والنفيس في سبيل دفعه ، ولما خاضوا بحار تلك الحروب الدامية لإخماد ذكره
وهلاكه . ولما خاطروا بأعراضهم ونفوسهم في مهالك النزال ، ولجج ميادين القتال .
وأنّ من الواضح أنّهم لو كانوا أتوا بما يفحمه ويعارض كتابه قليلا كان أو كثيراً
لأثبتته الصحف ، ونشرته الكتب شرقاً وغرباً ، وقرعوا به الأسماع ، وملؤوا الأصقاع
بعد معلومية توفّر الدواعي لذلك وقلّة أنصار الحقّ ، وكثرة أعاديه في كلّ عصر وزمان
إلى عصرنا الحاضر . ولو كان لبان من غير رادع ولا مانع في كلّ وقت وأوان .
« و » من المعلوم المثبت في التواريخ الصحيحة أنّ « فرقة » منهم « قد خلصوا
نجيّاً » مأخوذ من قوله تعالى في سورة يوسف ( عليه السلام ) : ( فلمّا استيئسوا منه خلصوا
نجيا ) ( 1 ) أي اعتزلوا عن الناس يتناجون بينهم ، ويتبادلون آراءهم فيما أنشؤوه
« كيما يباروا » أي يعارضوا « الملك العليّا » .
وألحق بكلمة " كي " كلمة " ما " للتأكيد .
« فما أتوا » بشيء « ممّا ابتغوه » وراموه « جهلا » منهم بقصورهم عن ذلك ،
وأنّه لم يمكنهم المعارضة له « إلاّ بما تضحك منه الثكلى » لشدّة ركاكته وبشاعته .
هامش
( 1 ) يوسف : 80 .