في فترة دارت رحى الجهالة * فيها فعمّت الورى ضلالة
قد عكفوا فيها على الأوثانِ * وأعرضوا عن طاعة الرحمنِ
فقام فيهم داعياً برفقِ * يهديهم إلى سبيل الحقِّ
شرح
وكان ذلك « في فترة » وانقطاع من الرسل ، بحيث « دارت رحى الجهالة »
بين الخلائق « فيها » أي في تلك الفترة « فعمّت الورى » بأجمعهم « ضلالة »
شديدة ، وكفر عظيم .
وذلك قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترة من
الرسل ) ( 1 ) وطول المدّة بين بعثته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبين ارتفاع المسيح ( عليه السلام ) بما يقرب من
600 سنة ، والناس « قد عكفوا فيها » أي أقاموا « على » عبادة « الأوثان » مأخوذ
من قوله تعالى : ( يعكفون على أصنام لهم ) ( 2 ) « وأعرضوا » جلّهم بل كلّهم « عن
طاعة الرحمن » إلى أن بلغوا في الجهل والضلال مرتبة الوحوش والبهائم
والأنعام ، بل صاروا أضلّ منهم في الظلم والطغيان .
ومن الواضح أنّ هداية مثلهم إلى الحقّ والإيمان برفض العادات القبيحة ،
وترك ما انتشؤوا عليه خلفاً عن سلف من ارتكاب الفواحش المنكرة ، وترك ما
اختمرت عليه طبائعهم من الأخلاق السيّئة الرديئة ، وتبديلها بالمكارم الحسنة
الجيّدة ، أشقّ وأصعب من هداية من سبقهم من الأُمم السالفة أُولي الألباب ،
وأرباب الكتب والأديان .
« فقام فيهم » ذاك النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على وحدته ويتمه وقلّة ذات يده من
حطام الدنيا « داعياً » لهم إلى الله تعالى « برفق » من البيان ، من غير غلظة في
الخطاب ، ولا تخويف لهم بالعشيرة والقوّة ، ولا تطميع لهم في الزخارف الدنيوية .
وأخذ « يهديهم إلى سبيل الحقّ » ولم يألُ جهداً في وعظهم وإرشادهم ،
هامش
( 1 ) المائدة : 19 .
( 2 ) الأعراف : 138 .