شرح
الباطنة عن رذائل الصفات السيّئة .
كلّ ذلك « بليّن القول » في منطقه « وحسن السيرة » في معاشرته وعمله .
ثمّ لا شبهة لدى عاقل في حُسن تلك الآثار المترتّبة على بعثة النبيّ الكامل في
نفسه ، والمكمّل لغيره . فلا شبهة حينئذ في حسن البعثة ، بل وجوبها على الحكيم المطلق .
ولذا لم يخالف في ذلك أحد من عقلاء الملل والأديان ، فضلا عن المسلمين ،
سوى من أشرنا إليهم من البراهمة وبعض الفلاسفة فإنّهم قالوا بقبحها ؛ لشبهة ملفّقة
واهية .
تقريرها : أنّ ما يأتي به النبيّ المبعوث دائر بين كونه موافقاً لما حكم به العقل ،
أو مخالفاً له ، وإنّ قُبح إرساله على التقديرين لواضح .
إمّا على الأوّل ؛ فلكونه عبثاً ، لمكان الاستغناء عنه .
وأمّا على الثاني ؛ فلوجوب الردّ عليه ، ونقض حكمه بحكم العقل الّذي هو
رسول باطني أقوى ، وحكمه أقرب إلى الصواب .
وبذلك يثبت قبح إرسال النبيّ الظاهري .
والجواب : اختيار الشقّ الأوّل ، حيث إنّك قد عرفت فيما تقدّم امتناع كون
شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه المنزّلة على أنبيائه ( عليهم السلام ) مخالفاً لما استقلّ به
العقل ، وأنّه ليس بينهما إلاّ غاية الملائمة والتلازم .
ولذا اتّفق أهل الفنّ على ما ذكرناه سابقاً من أنّ كلّ ما حكم به العقل حكم به
الشرع ، وكذا عكسه بنحو العموم من غير تخصيص .
وحينئذ نقول : إنّ دعوى كون البعث على التقدير المذكور عبثاً فاسدة
وممنوعة أشدّ المنع ؛ وذلك لما عرفت من أنّ حكمه حينئذ يكون إمّا منضمّاً إلى
حكم العقل ، ومؤيّداً معاضداً له . وإمّا إنشائياً مبتكراً فيتبعه العقل على ما بيّنّا .
وحسن كلّ منهما أوضح من أن يخفى . فلا يكون إرسال النبيّ إلاّ لطفاً محضاً .
وبذلك يُستغنى عن إطالة الكلام في الجهة الثانية ، وهي بيان وجوبه بعدما
عرفت من وجوب اللطف عليه تعالى وإن أنكره الأشاعرة أيضاً بناءً على زعمهم
الفاسد ، وهو عدم وجوب شيء عليه سبحانه على ما تقدّم بيانه مقروناً بنقضه .