فمن رأى في ربّه الحلولا * حاول أمراً لم يكن معقولا
شرح
هذا مع أنّ حلوله في شيء خاصّ أو مكان مخصوص يستدعي خلوّ سائر
المحالّ عنه ، بعد التسالم عقلا ونقلا على أنّه لا يخلو منه مكان ، ولا يغيب عن أحد
ولا عن شيء من الموجودات طرفة عين أبداً ، وأنّه سبحانه مع كلّ شيء لا
بالممازجة ، ومغاير لكلّ شيء لا بالمزايلة ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم
ولا خمسة إلاّ هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا ) ( 1 )
( وهو الله في السماوات وفي الأرض ) ( 2 ) ( لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات
ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) ( 3 ) ولا يغيب عنه برّ ولا بحر .
وأيضاً حلوله في شيء يستدعي تغيّره من حال إلى حال . وذلك أيضاً من
المتسالم على استحالته فيه ، وكون ذلك من خواصّ الممكن . وأيضاً إنّ ذلك يستلزم
كونه محاطاً بغيره ، ولا شبهة في استحالة ذلك أيضاً ، فإنّه جلّ وعلا محيط
بالكائنات ، ولا يحيط به شيء أصلا كما قال سبحانه : ( والله من ورائهم محيط ) ( 4 ) .
« فمن رأى » وزعم « في ربّه الحلولا » في أي شيء من خلائقه ومصنوعاته ،
فقد « حاول » وادّعى « أمراً لم يكن معقولا » ولا يتفوّه به ذو مسكة أبداً ، وليس
القائل به إلاّ خابطاً مجنوناً أو ملحداً ملعوناً ( * ) .
هامش
( * ) فإنّ المذهب المذكور أوضح فساداً وأقبح آثاراً من قول النصارى بالأقانيم الثلاثة ، فإنّ
الجاهل الضالّ منهم وإن قال بحلوله تعالى لكن لا بأجساد الفسقة من سائر الناس ، بل قالوا به في
جسد المسيح ( عليه السلام ) خاصّة ، وهو المطهّر من كلّ دنس وشين .
ثمّ أيضاً لم يقولوا فيه ( عليه السلام ) بالعينية التامّة واتّحاده بربّه تعالى .
وأمّا زنادقة الجمهور ، فقد بلغوا الغاية في الوقاحة ، وقالوا بحلوله تعالى - والعياذ بالله - في
أجساد الفسقة الفجرة التاركين للفرائض الشرعية والواجبات الدينية ، المرتكبين للفواحش
والمنكرات العقلية والمحرّمات الإلهية .
ثمّ تعدّى بعض منهم عن ذلك ، وذهب إلى ما هو أعظم منه وأشنع وقال باتّحاده وعينيته
تعالى مع أُولئك المردة الملعونة ، وقال قائلهم :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا
يعني به الوحدة مع الخالق سبحانه ، ونعوذ به تعالى من الكفر والضلال !
ثمّ ترى كثيراً من فرقهم الضاّلة المختلفة المتسمّين باسم الصوفية والنقشبندية وغيرهما
يموّهون على أتباعهم العمياء بما أبدعوه من ظواهر أذكار مخترعة ومنكرات مبتدعة . يعلّقون
المسابح الطويلة على الأعناق ، وكأنّها سلاسل الجحيم الآخذة بالخناق .
ثمّ تراهم في الخدعة والتلبيس أدهى من إبليس ، يجلسون على سجادات مرقعات
يشتغلون بأوراد خرافات ، يسمّونها أذكاراً وعبادات ، وكثيراً ما تكون عباداتهم الرقص
والتصفيق والتغنّي بما يهيج الشبيق تشبّهاً بأهل الجاهلية الّذين أنزل الله تعالى فيهم : ( وما كان
صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية ) [ 1 ] .
ولا يزالون كذلك حتّى ترغو أفئدتهم وتحمرّ أو تسودّ وجوههم . وعندئذ تتهاجم عليهم
مردتهم وأتباعهم الأنعام يمسحون من شفاههم تلك الرغوات المنتنة ، يلطّخون بها الوجوه واللحى
من أنفسهم متبرّكين بها يزعمون فيهم الوصول إلى الله تعالى ، أو حلوله فيهم ، أو اتّحاده بهم ،
وبذلك يحكمون بسقوط الوظائف الشرعية عنهم ، وإباحة المحرّمات لهم . وفيهم يقول العارف
البصري :
ومنهم أخو الطامات جلف تصوّف * ينمّس تنميساً بصمت وخلوة
إلى قوله :
أراذل خدّاعون زرقاً بخرقة * وسجّادة مرقوعة وبسبحة
وهيهات ثمّ هيهات لو كان الربّ تعالى يعقل فيه الحلول في أحد من عبيده ، وكان من آثار
ذلك سقوط الصلاة والصوم عمّن حلّ فيه أو إباحة المحرّمات الشرعية بأجمعها له ، لكان
النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو الطاهر المطهّر أولى بحلوله تعالى فيه ، حيث إنّه أقرب الكائنات إليه
سبحانه ، وأعزّ الخلائق عليه ، وأحبّهم لديه كما قال تعالى : ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أوّل
العابدين ) [ 2 ] وأنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من قد علم حاله وشدّة حرصه على الالتزام بالواجبات ، وإكثاره من
الصوم والصلوات المفروضات والمسنونات ، واحتماله المشاقّ في العبادات ، وتهجّده في الليالي
المظلمات ، حتّى ورمت قدماه المباركتان ، ونهاه ربّه تعالى عن ذلك نهي حنان وشفقة ورأفة
ورحمة بقوله عزّ من قائل : ( طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) [ 3 ] أي لتحتمل المشقّة ( يا أيّها
المزّمّل * قم الليل إلاّ قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا ) [ 4 ] وأمثال ذلك .
ثمّ كان آخر وصاياه بل آخر وصايا سائر الأنبياء والأولياء ( عليهم السلام ) أيضاً هو الصلاة ، ولا شكّ
أنّها عمود الدين وقربان كلّ تقي ، وهي الفارقة بين الكافر والمسلم .
( 1 ) المجادلة : 7 .
( 2 ) الأنعام : 3 .
( 3 ) سبأ : 3 .
( 4 ) البروج : 20 .
[ 1 ] الأنفال : 35 .
[ 2 ] الزخرف : 81 . .
[ 3 ] طه : 2 .
[ 4 ] المزّمّل : 1 - 3 .