شرح
وظاهر كلام العلامة ( رحمه الله ) في التذكرة التوقف في المسألة وهذا نص كلامه : " إذا أخذ
العامل من غيره مضاربة ، جاز له أن يأخذ من غيره مضاربة أخرى ؛ سواء أذن له الأوّل أو
لا ، إذا لم يتضرر الأوّل بمعاملة الثاني . فإن تضرر الأوّل بمعاملة الثاني بأن قد يكون
مال الثاني كثيراً يحتاج أن يقطع زمانه في التجارة به ويشغله عن السعي في الأوّل أو
يكون المال كثيراً متى اشتغل عنه بغيره فانقطع عن بعض تصرفاته فيه وفات باشتغاله في
الثاني بعض مصالحه ، فأكثر الفقهاء على جوازه أيضاً ؛ لأنّه عقد لا يملك به منافعه بأسرها
فلم يمنع من المضاربة ، كما لو لم يكن فيه ضرر ، وكالأجير المشترك . وقال الحنابلة
لا يجوز له ذلك ؛ لأنّ المضاربة مبتنية على الحظ والنماء ، فإذا فعل ما يمنعه لم يكن له ، كما
لو أراد التصرف بالغبن . " ( 1 )
وأطلق في التحرير الجواز بقوله : " يجوز للعامل أن يعامل آخر ويسعى بالمالين
ويكون حصته من الربح الثاني له ، ولا يقاسم المالك الأوّل فيه . "
وأما المجوزون ، فهم أكثر فقهاء العامة ، وقد مرّ دليلهم على ذلك في عبارة التذكرة
وبمثله نقل عنهم ابن قدامة . ( 2 ) وقد تعرض المحقق الثاني ( رحمه الله ) لهذا الدليل والجواب عنه
بقوله : " فإن قيل : إن المالك الأوّل لم يملك منافعه ، فكان له صرفها في أمر آخر . قلنا : وإن
لم يكن مَلكَها ، لكنه تعيّن صرفها في العمل للقراض الأوّل بمقتضى العقد ، ولهذا لا يجوز له
ترك المال بغير عمل ولا التقصير عن العمل الذي جرت به العادة ، نعم ، لو لم يتضرر
لم يمنع . " وهذا كلام جيّد .
وأما ما استشكله المحقق العاملي ( رحمه الله ) على كلام جامع المقاصد بقوله : " وفيه : أنه إذا كان
العقد جائزاً لم يكن مقتضى العقد وجوب صرفها في ذلك كما هو ظاهر ، على أن وجوب
صرفها في ذلك هو معنى ملكيته منافعه بأسرها ، وما استند إليه في محل المنع . ولعلّه لذلك
أطلق في التحرير وأطبق العامة عدا الحنابلة الظاهرية على الجواز . " ( 3 ) فغير وارد ؛ حيث
هامش
1 - تذكرة ألفقها ، ج 2 ، ص 241 .
2 - المغني ، المصدر السابق .
3 - مفتاح الكرامة ، ج 7 ، ص 482 .