شرح
عنه ، فلا بد من بيان الجمع بين الروايات وبين ما ذكره الأصحاب وأرسلوه إرسال
المسلمات . وما ذكره ( رحمه الله ) اعتذاراً للأصحاب ؛ من الغفلة عن النصوص ، ليس صحيحاً إذ هو
بعيد في الغاية ، مضافاً إلى أن أصل الإشكال لا يرتفع بذلك ؛ وهو مخالفة النصوص مع ما
هو مسلم في الفقه بنحو كان كإرسال المسلمات . وبالجدير أن يعلم أن مخالفة النص أو
النصوص مع القواعد ليس بعزيز الوجود في الفقه ، ولذا اشتهر أن النص الذي كان مخالفاً
للقاعدة اقتصر على مورده ولا يتعدى ولا يتجاوز عنه ، فليكن ما نحن فيه من مصاديقه ؛
لأنّه مما يمكن أن يكون النص مخصصاً للقاعدة ، ولكن القواعد التي لا يمكن تخصيصها
لكونها بإطلاقها وعمومها من المسلمات مثل حرمة التصرف في مال المسلم إلاّ بإذنه
لا يمكن لنا تخصيصها بقولنا : إلا في المضاربة ، فتأمل ، فإنه دقيق . ولعلّ الوجه في
الروايات الدالة على صحة المضاربة فيما إذا خالف العامل ما شرطه المالك هو أنه فرق
بين هذه المخالفة من قبل العامل وبين العقد الفضولي ؛ حيث إن العاقد الفضولي يوقع العقد
من قبل المالك أو من قبل نفسه بادعاء أنه المالك ، جهلاً منه أو ادعاءً ، ولا يقع إلاّ من قبل
المالك الواقعي موقوفاً بإذنه أو بإجازته . وفي المضاربة العامل يوقع العقد من قِبَل نفسه
والمالك معاً ؛ لأن رأس المال وإن كان ملك المالك إلاّ أنه دفعه إلى العامل مضاربة وخرج
عن كونه ملكاً طلقاً له ، كما مرّ ، ولذا يكون الربح بينهما لا له فقط ، فهذا العقد فضولي من
حيث كونه للمالك لا مطلقاً ؛ لأنّه منتسب إلى العامل أيضاً وهو من هذا الحيث غير
فضولي . وأما عدم ذكر إجازة المالك في النصوص مع مخالفة العامل شروطه ، فلأن ذكر
هذه الشروط من قبل المالك غالباً لتخيل أن استحصال الربح لا يكون إلاّ بمراعاتها . فإذا
خالفه العامل وحصل الربح ، فيعلم أن ذلك التخيل وهم لا أساس له ، فالمالك يرضي بذلك
لوجود الربح ، فيكون الاتجار وعمل المضاربة صحيحاً ، ولا يخالف ذلك لما هو مسلم في
الفقه أيضاً .