فيمكن أن يقال : إنّ الربح للعامل الأوّل بل هو مختار المحقّق في الشرائع ( 1 ) وذلك
بدعوى أنّ المضاربة الأولى باقية بعد فرض بطلان الثانية ، والمفروض أنّ العامل
قصد العمل للعامل الأوّل ، فيكون كأنّه هو العامل فيستحقّ الربح ، وعليه أجرة عمل
العامل إذا كان جاهلاً بالبطلان . وبطلان المعاملة لا يضرّ بالإذن الحاصل منه للعمل
له . لكن هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن المباشرة معتبرة في المضاربة الأولى ، وأمّا مع
اعتبارها فلا يتمّ ، ويتعينّ كون تمام الربح للمالك إذا أجاز المعاملات وإن لم تجز
المضاربة الثانية ( 2 ) .
شرح
( 1 ) - قد مرّ كلام المحقق ( رحمه الله ) في بيان الأقوال .
( 2 ) - لإيضاح البحث نتكلم هنا في أربعة مطالب ؛ الأوّل : في بيان صحّة المضاربة
وبطلانها . الثاني : في بيان صحّة المعاملات الواقعة بيد العامل الثاني بقصد كونها من
جانب العامل الأوّل . الثالث : في استحقاق الربح وأنه هل المستحقّ له هو المالك أو يقسم
بينه وبين العامل الأوّل أو بينه وبين العاملين أو بين المالك وبين العامل الثاني ؟ الرابع : في
أجرة العامل الثاني وموجبها على فرض عدم الربح له .
أمّا الأوّل : لا إشكال في بطلان المضاربة الثانية في نظرنا وفي نظر القوم ، لعدم إذن
المالك وإجازته لها ، فالعامل الأوّل أقدم بها بلا مجوّز سابقاً ولاحقاً ، بل الفقهاء ( رحمهم الله ) قالوا
بالبطلان حتّى مع إذن المالك إذا عقد مع العامل الثاني من قبل المالك ؛ لأنهم جعلوها
خارجاً من دائرة المضاربة ، للزوم كون المضاربة بين المالك والعامل ، وفي ما نحن فيه أنّها
تقع بين العامل الأوّل والعامل الثاني . وقد أجبنا عن هذا فيما سبق فلا نعيد .
وأمّا الثاني : فهي صحيحة قطعاً ، لا من جهة كون العامل الثاني مضارباً بل من جهة
كون المعاملات الواقعة فضولية قد أجازها المالك ، ولا إشكال فيها إلاّ من جهة قصد
العامل الثاني في مقام إيقاع المعاملات والتجارات ، فإنّه عقدها للعامل الأوّل لا للمالك
وهذا لا يضرّ في الصحّة ؛ لأنّ العقد يقع من جانب المالك سواء أقصده العاقد أم لم يقصده