آلاف ، وصارت قريش تبعث بالفداء أولاً بأول . وأعطى ( صلى الله عليه وآله ) كل رجل من أصحابه الأسير الذي أسر ، فكان هو يفاديه بنفسه .
وقد كانت ثمة أوامر خاصة بالنسبة لأسرى بدر بيّنها النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه ، ولكنهم قد أصروا على مخالفتها ، فاستحقوا العذاب العظيم ، ثم عفا الله عنهم ، رحمة بهم ، وتألفاً لهم . وقد جاء في بعض النصوص : « أن جبرئيل ( عليه السلام ) نزل على النبي ( صلى الله عليه وآله ) يوم بدر ، فقال : إن الله قد كره ما صنع قومك ، من أخذ الفداء من الأسارى . وقد أمرك أن تخيرهم : بين أن يقدموهم ويضربوا أعناقهم ، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم . فذكر ذلك ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه ، فقالوا : يا رسول الله ، عشائرنا وإخواننا . بل نأخذ فداءهم ، فنتقوى به على عدونا ، ويستشهد منا عدتهم » .
وذكر الواقدي أن الأسرى قالوا : لو بعثنا لأبي بكر ، فإنه أوصل قريش لأرحامنا ، ولا نعلم أحداً آثر عند محمد منه ؛ فبعثوا إليه فجاءهم فكلموه ، فوعدهم أن لا يألوهم خيراً ، ثم ذهب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فجعل يفثؤه ويلينه ، وعاوده بالأمر ثلاث مرات ، كل ذلك والنبي ( صلى الله عليه وآله ) لا يجيب .
والأمر الذي استحقوا العقاب لمخالفته ، هو أنهم حين أصروا على أخذ الفداء قد أصروا على مخالفة الرسول ، والتعلق بعرض الحياة الدنيا في مقابل إرادة الله للآخرة - كما قال تعالى : * ( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ) * - بعد بيان النبي ( صلى الله عليه وآله ) ذلك لهم بصورة صريحة ، إذ لا عقاب قبل البيان ، ثم المخالفة .
ولكن الله تكرم وتفضل عليهم ، وغفر لهم هذه المخالفة ، وأباح لهم أخذ الفداء تأليفاً لهم ، على ما فيه من عواقب وخيمة . وقد بلغ من حبهم لعرض الدنيا أنهم قبلوا بهذه العواقب أيضاً .
المصطفى من سيرة المصطفى ( ص ) — صفحة 44
مساهمون: السيد جعفر مرتضى العاملي
ص٤٤