( الأمر الثاني ) المراد بدفن الميت هو مواراته في الأرض على ما قطع به الأصحاب كما في المدارك وعليه عمل الصحابة والتابعين كما في كشف الالتباس وغيره ، فلا يجزى وضعه في التابوت ومثله أو وضعه على الأرض والبناء عليه بناء متقنا ، أو في بيت وسد أبوابه سدا محكما - مع التمكن من مواراته في الأرض ، وذلك لعدم صدق الدفن على أمثال ذلك واستظهار الإجماع منهم على اعتبار كون الدفن في حفيرة من الأرض ، ولأنه المعهود من سيرة المسلمين ، ولأنه صلى اللَّه عليه وسلم دفن المسلمين ودفنوه كذلك ، بل يمكن الاستدلال له بالآية الكريمة : « مِنْها خَلَقْناكُمْ وفِيها نُعِيدُكُمْ » ، حيث إن العود فيها انما هو بجعله فيها لا بوضعه عليها ، فاحتمال الاكتفاء بالوضع في تابوت أو مثله بدعوى كون الأمر بالدفن جاريا مجرى العادة لا لخصوصية في المواراة - كما في مصباح الفقيه - ضعيف في الغاية .
( الأمر الثالث ) قد ذكر وافى تحديد المواراة كونها على وجه من شأنه حفظ الميت عن ظهور بدنه بفعل السباع أو هبوب الرياح أو نزول المطر ونحو ذلك من العوارض المعتاد تحققها ، وحفظ رائحته عن الانتشار ، وبعبارة أخرى يوارى في الأرض بحيث يحفظ عن الإنس ريحه وعن السباع بدنه ولا يظهر بدنه الا بغير الأسباب العادية كالخسف والزلزلة ونحوهما . ( ويدل على اعتبار ذلك ) كما في المدارك قطع الأصحاب وغيرهم بان الواجب من الدفن هو ذلك ولتوقف فائدة الدفن عليه ، بل توقف تحقق مسماه عليه ، حيث لا يبعد القول بان الدفن لا يتحقق الا بالمواراة على هذا الوجه ( وللمروي عن الرضا عليه السلام ) إنه يدفن لئلا يظهر على الناس فساد جسده وقبح منظره وتغير رائحته ولا يتأذى الأحياء بريحه وما يدخل عليه من الآفة والفساد وليكون مستورا عن الأولياء والأعداء فلا يشمت عدوه ولا يحزن صديقه ، ( ولأمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم ) بالمواراة على هذا الوجه .
وهذان الوصفان - أعني حراسة بدنه عن السباع وكتمان رائحته عن الانتشار متلازمان غالبا ، ولكن لو فرض وجود أحدهما بدون الأخر وجب مراعاة تحقق الأخر أيضا ، وذلك لعدم تمامية فائدة الدفن إلا بالأمرين معا .
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى — صفحة 426
مساهمون: الشيخ محمد تقي الآملي
ص٤٢٦