عن الحس ، إذ الحكم بالطهارة كالحكم بالنجاسة يحتاج إلى موضوع موجود ، ولو اخرج هذا الدم بعد استهلاكه واجتمع اجزائه بعد تفرقة في الماء ، وصار ممتازا بينا يحس به يحكم بنجاسته لتحقق الموضوع ، وهذا ظاهر ، بخلاف الاستحالة فإنه إذا صار الكلب ملحا لا يعود الملح إلى ما كان عليه من الكلب ، ولو فرض صيرورته كلبا لا يكون هذا الكلب بعينه ذاك الكلب الذي استحال إلى الملح ، بل هو كلب آخر غيره كما إذا صار الملح غذاء لكلب فصار منشا تكون كلب آخر .
وأما ما ذكره ( قده ) من صيرورة البول بخارا ثم ماء ، وقال : بأنه لا يحكم بنجاسته فهو مبنى على مذهبه في البخار من تحقق الاستحالة به ، وقد مرّ منّا مرارا منعه ، وإن الماء المجتمع من البخار هو بعينه الماء الذي تصاعد بمشايعة الهواء ثم فارقه بعد زوال حرارته ، وهذا كما ترى بالاستهلاك أشبه إلا أن المستهلك فيه هو الهواء وقد استهلك فيه الماء ، ولذا اخترنا سابقا بأنه لا ينجس لعدم صدق الملاقاة معه بسبب استهلاكه في الهواء ، وإذا اجتمع وفارق الهواء وخرج عن خلله يكون هو بعينه تلك الحقيقة التي اختلطت مع الهواء عقلا وعرفا .
وأمّا ما استدركه بقوله : « نعم لو فرض صدق البول عليه يحكم بنجاسته بعد ما صار ماء » فهو مع ما ذهب إليه من تحقق الاستحالة بصيرورة البول بخارا عجيب ، إذ لو صدق عليه البول لكان بولا مخلوقا في الهواء ، ونجاسة مثله أول الكلام ، بل إن هو إلا كالدم المتكون في غير الحيوان تحت الأحجار وفي الأشجار الذي حكم بطهارته ، وهذا الاستدراك منه ( قده ) شاهد على ما قويناه من عدم تحقق الاستحالة بالبخار ، ولذا يفرض صدق البول عليه ويحكم بنجاسته على فرض الصدق والا فمع تحقق الاستحالة كما هو مختاره لا مجال لهذا الفرض ولا يحكم بنجاسته على فرضه كما لا يخفى ، وأعجب من ذلك ما ذكره ( قده ) في عرق بعض الأعيان النجسة حيث يقول : ان صدق عليه اسم السابق وكان فيه آثار ذلك الشيء وخواصه ، إلخ وذلك لان عرق الخارج عن النجس لمكان ميعانه وملاقاته مع النجس نجس قطعا كعرق الكافر ، ولا ينبغي الإشكال في حكمه وكون نشوه من الأعيان النجسة لا يوجب الحكم بطهارته
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى — صفحة 330
مساهمون: الشيخ محمد تقي الآملي
ص٣٣٠