وهكذا الكلام في الدخان غير إنه عبارة عن الاجزاء النارية المجتمعة مع الهواء ، ولعل الحكم بنجاسة السقف من وصول دخان الدهن المتنجس إليه يكون لأجل تلك الجهة ، فالحكم بطهارته بعد الاجتماع أيضا لا يخلو عن الإشكال إلا أنه لم أجد قائل صرح بنجاسته ، ونقل الإجماع على طهارته مستفيض ، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل .
الخامس : الكلب إذا صار ملحا ، وهذا مما لا إشكال في صدق الاستحالة عليه عقلا وعرفا ولكن مع ذلك وقع الخلاف في طهارته ، فذهب المحقق في المعتبر والعلامة في غير واحد من كتبه إلى عدم الطهارة ، وقد نسبه الأخير إلى أكثر أهل العلم أيضا ، فعن المنتهى إنه إذا وقع الخنزير وشبهه في ملاحة فاستحال ملحا ، والعذرة في البئر فاستحالت حماية لم تطهر وهو قول أكثر أهل العلم خلافا لأبي حنيفة ، واحتجا بأن النجاسة قائمة بالأجزاء لا بالصفات ، فلا تزول بتغير أوصاف محلها وتلك الأجزاء باقية لانتفاء ما يقتضي ارتفاعها ، وهذا الاستدلال منهما كما ترى ظاهر في إنكارهما لمطهرية الاستحالة بالكلية ، وقد حرّر المحقق الثاني ( قده ) هذا الدليل في جامعه بأن أجزاء النجاسة لم تزل وإنما تغيرت تلك الصورة ، وكما أن النجاسة حكم شرعي لا تثبت إلا بدليل كذا حصول الطهارة موقوف على الدليل ولم يثبت ، ولا يخفى ما فيه وذلك لما ذكره ذاك المحقق أيضا من أن مناط النجاسة هي تلك الصورة مع الاسم ، لأن أحكام الشرع جارية على المسميات بواسطة الأسماء ، لأن المخاطب بها كافة الناس فينزل على ما هو المتفاهم بينهم عرفا أو لغة كما يليق بالحكمة ، ولا ريب ان الذي كان من افراد نوع الكلب قبل الاستحالة بحيث يصدق عليه اسمه قد زال عنه ما كان ، وصار في الأرض من افراد الملح بحيث لا يصدق عليه ذلك الاسم بل يعد إطلاقه عليه غلطا ، وكذا القول في العذرة بعد صيرورتها ترابا فيجب الآن ان يجرى عليه الأحكام المترتبة شرعا على التراب والملح ، على أن جميع ما اجمعوا على طهارته من نحو العذرة تصير دودا والمنى يصير حيوانا طاهر العين ونحو ذلك لا يزيد على هذا فكأنّ التوقف في الطهارة هنا مما لا وجه له .
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى — صفحة 305
مساهمون: الشيخ محمد تقي الآملي
ص٣٠٥