إما من ظهور الغسل في معناه الحقيقي وإبقاء التراب على ظهوره ، وإما من ظهور التراب وإبقاء الغسل على حقيقته ، ويدخل المقام في المسألة المعروفة ، وهي تعارض ظهور الفعل مع ظهور متعلقة ، وقد اختلف كلام الشيخ الأكبر الأنصاري ( قده ) في تقديم أحدهما على الآخر في أصوله وفقهه ، ففي باب الاستصحاب من الأصول اختار تقديم الأخذ بظهور الفعل ورفع اليد عن ظهور المتعلق ، كما في مثل لا تضرب أحدا ، وفي كتاب البيع قدم ظهور المتعلق في مسألة بيع نصف الدار المشاع .
والانصاف عدم صحة الحكم بكل واحد منهما تعيينا ، بل يقدم الأظهر منهما لو كان أحدهما أظهر والا فيحكم بالإجمال ، وعليه فيجب البحث عن كلمتي « اغسله » و « بالتراب » وتشخيص الأظهر منهما لو كان والأخذ به ، ورفع اليد عن الأخر ، فقد يقال برجحان بقاء الغسل على حقيقته ، لان حمله على المسح والدلك بالتراب مجاز بعيد ، وذلك بخلاف التجوز في التراب بحمله على المخلوط بالماء لكونه من المجازات الشائعة في هذا التركيب كالغسل بالخطمي والحناء والسدر والصابون فيؤخذ بظهور الغسل في حقيقته ، ويرفع اليد عن ظهور التراب في الخالص منه ، ويجعل كلمة الباء في قوله : « بالتراب » للمصاحبة والظرف مستقرا ، ويصير المعنى حينئذ : اغسله بالماء المصاحب مع التراب .
وأورد عليه بان هذا يتم بجعل شيء من التراب في الماء على وجه لا يخرجه عن الإطلاق نظير امتزاج شيء من السدر أو الكافور مع الماء في غسل الميت حتى يصير معنى قوله : « اغسله بالتراب » اغسله بالماء الغير الصافي المشتمل على بعض أجزاء ترابية ، لكن هذا المعنى مما لا يظن بأحد أن يلتزم به ، بل ينبغي إرادة مزج الماء بالتراب على حد يكون طينا قابلا للجريان كالمايعات ، وعليه فلا بد من التصرف في الغسل أيضا بحمله على المسح ، فيلزم ارتكاب مجازين أحدهما في الغسل ، والأخر في التراب وعند الدوران بين ارتكاب مجازين أو مجاز واحد يكون الترجيح مع الأخير ، وإن كان ارتكاب أحد المجازين عند ارتكابهما أقرب إلى الفهم .
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى — صفحة 203
مساهمون: الشيخ محمد تقي الآملي
ص٢٠٣