الذكريات في حياة
حسن الأمين
نشرنا قسما من هذه الذكريات في آخر المجلد الرابع ، وقلنا هناك ان القسم الآخر من الذكريات بعضه مكتوب وبعضه الآخر لم يكتب بعد .
وأننا سننشرها تباعا في المجلدات القادمة .
وننشر هنا صفحة من تلك الذكريات ، ولعلنا نوفق في متابعة نشرها كاملة في الآتي :
مستدركات أعيان الشيعة
اكتب هذا الكلام الآن في التاسع من شهر شباط السنة 1993 ( شعبان 1413 ) وبين يدي أربعة مجلدات من ( مستدركات أعيان الشيعة ) . وفي المطبعة يهيؤ المجلد الخامس للصدور ، وعلى رفوف المكتبة إلى يميني الأغلفة الصفراء مملوءة بمواضيع المجلد السادس التي لا تزال تزداد يوما بعد يوم حتى تكتمل بما يملأ هذا المجلد .
أنني منذ بدأت العمل بعد وفاة والدي باعداد مسودات « الأعيان » غير المطبوعة - اعدادها للطبع ، كان أقصى ما اطمح اليه ان أستطيع تنسيق تلك المسودات وإخراجها مطبوعة ، وذلك مطمح كان تحقيقه يبدو بعيد المنال .
أولا : لأن أعداد تلك المسودات وتنسيقها وضم مواد كل ترجمة إلى مجموعة واحدة . لم يكن من الأمور السهلة .
ثانيا : هب اني استطعت ذلك فقد كان إخراج تلك المسودات مطبوعة يحتاج إلى أموال كنت لا أملك شيئا منها . ولم يكن من المستطاع العثور على مغامر من المتاجرين بالكتب يقدم على بذل كثير من المال على امر غامض النتائج . . كنت أفكر كيف أستطيع إكمال طبع ( أعيان الشيعة ) . اما ان يكون ل ( أعيان الشيعة ) المطبوع مستدركات فذلك امر لم يدر في خلدي ابدا .
ولكن التصميم الصارم ، والعزم الصامد أخرجا ( أعيان الشيعة ) في طبعة كاملة لا تقل إتقانا عن أشهر الموسوعات العالمية في ارقى بلاد الغرب .
وظننت بعد ذلك أني سأستريح بعد ان حققت الحلم الذي كان عدم تحقيقه هما منغصا للحياة طيلة أكثر من عقدين من السنين .
وقد كان ما تحملته خلال تلك السنين في تحقيق حلم الحياة - كان شيئا يهد العزائم ، كان بعض ما فيه : الخيبة ممن تحسب انهم من الذين لا تخيب عندهم الآمال الطيبة . ومن بعض ما فيه محادثة الجفاة الغلاظ ، ومناشدة الجهلة الأغبياء ، والتواضع لمن لا يستحقون الا التكبر عليهم والترفع عن مجالستهم .
كان ما لقيته شيئا لا احتاج بعد إنجاز ما انجزته الا للعزوف عن مخالطة الناس ، والانكفاء إلى التأمل ومناجاة النفس ، والخلود إلى الراحة الكاملة .
وكانت المطالعة سلواي الوحيدة ، وكانت تمر بي خلال المطالعات بحوث وأخبار في غاية الأهمية ، تتعلق بمن سجلت تراجمهم في ( أعيان الشيعة ) ، فكنت آسف لأني لم أر ذلك قبل طبع الكتاب لأضيفها إلى تراجم أصحابها مشيرا إلى انها مما استدركته على الترجمة ، كما حصل ذلك مرارا خلال طبع الكتاب .
وفيما أنا منكب على المطالعة وقعت لي دراسة في احدى المجلات تتعلق بالفيلسوف ( أفضل الدين الكاشاني ) ، المعروف بأفضل المرقي ، فعدت إلى ( أعيان الشيعة ) لأرى ما سجل فيه عنه ، فإذا ما هو مسجل قليل ، لأن تفاصيل أخباره لم تكن قد وصلت إلى مؤلف ( الأعيان ) ، وليس ذلك مستغربا فصاحب ( الأعيان ) لم يكن مستطيعا ان يحيط بكل شيء ، وحسبه فضلا الوصول إلى ما وصل اليه . . فافرزت مكانا في محفوظاتي في المكتبة لترجمة أفضل الدين للرجوع إليها عند الحاجة ، دون ان يكون في خاطري اي تفكير في مستدركات لأعيان الشيعة .
على أن ذكريات مرارة ما لقيت في إنجاز طبع ( أعيان الشيعة ) والوصول به إلى طبعته الأنيقة . ان ذكريات هذه المرارة أخذت تتقلص امام الحلاوة التي أخذت احسها من تداول ( الأعيان ) في أيدي الناس .
وإن انطباعات الغصص التي كابدتها ، صارت تمحوها يوما بعد يوم هذه الجرعات من الهناء التي كانت تعتادني من رؤية مجلدات الكتاب براقة على رفوف خزائن الكتب .
وشيئا فشيئا لم يبق في النفس الا الشعور بالسعادة لإنجاز ما وعدت والدي بانجازه في إكمال طبع كتابه العظيم بعد وفاته .
وغمرتني السعادة فانستني كل ما مر ، وفي هذه الغمرات الهانئة وجدتني مثقلا بهم جديد هو هم مرور الزمن بعيدا عن أي انتاج ، وعدت كما قال المتنبي :