وعن رجوع البحتري من العراق إلى الشام نقول : بعد مقتل المتوكل كانت الأحداث تتواتر في سامراء وفي بلاد الخلافة كلها على غير ما يهواه البحتري وراح يشعر هو من معه من ذويه وأفراد أسرته بحرج أو وحشة بالغة من جراء مكثه في العراق فان حساده وأعداءه في بغداد وسامراء غير قليلين ولا يوجد في هذه الفترة وازع يحميه أو يدفع الضيم عنه كما كان يفعل المتوكل والفتح بن خاقان فصمم على مغادرة العراق إلى غير رجعة ، وهناك رواية تدل على حرج موقف البحتري في هذه الفترة العصيبة وتالب فريق من الأعداء عليه وتحين الفرص للوقيعة به رواها لنا المرزباني ( 1 ) قائلا : حدثني أحمد بن محمد بن زياد قال : سألت أبا الغوث - يعني ابن البحتري - عن السبب في خروج أبيه من بغداد فقال لي : كان أبي قال في قصيدته التي رثي فيها أبا عيسى بن صاعد أبياتا وجد فيها بعض أعدائه مقالا يشنع عليه فيه انه ( ثنوي ) ودارت في الناس ، وكانت العامة حينئذ غالبة فخافهم على نفسه فقال لي : يا بني قم بنا حتى نطفئ عنا هذه الثائرة بخرجة تلم بها ببلدنا ونعود . قال فخرجنا وأقام فلم يعد . وقد ظلت شخوص سامراء الباسمة تراود خيال البحتري بعد خروجه من العراق إلى أن مات ، أليس هو القائل وقد مل الإقامة في الشام بل مل العيش والحياة هناك :
الميرزا يحيى بن الميرزا أسد الله بن الحاج آقا حسين بن ملا حسن امام الجمعة ابن المولى تقي الطسوجي الخوئي :
ولد سنة 1276 في مدينة ( خوي ) وتوفي في طهران سنة 1364 ودفن في النجف . « كل آبائه من العلماء ، وجلهم الفقهاء المبرزون الأجلاء ، بيت علم قديم ، فيهم امامة الجمعة والجماعة من لدن جدهم الحاج آقا حسين صاحب المدرسة المعروفة باسمه . وأول من نزل منهم بخوي جدهم الفقيه المولى حسن صاحب الجامع الكبير المشهور اليوم باسمه . وجدهم الأعلى المولى عبد النبي الطسوجي نزيل المشهد الرضوي العالم الجليل المصنف المعاصر لصاحب الحدائق ، ويروي عن المولى رفيع الجيلاني المشهدي وهو عن العلامة المجلسي ، ومن تصانيفه التفسير الكبير وشرح معاني الأخبار « . أقول : وخاله الحاج ميرزا حسن الدنبلي الشهيد الذي كان من تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري وله تأليف في الفقه والأصول والأدب . وابنه الأرشد الشيخ محمد صدر الإسلام ، وكان من معاريف علماء طهران . وابنه الآخر جمال الدين الامامي الذي انتخب عضوا للمجلس النيابي الرابع عشر وله مواقف مشهورة ضد الشيوعيين أيام نفوذ الشيوعية في إيران . وقد نسبه بعض إلى طائفة « دنبلي » ، وهو اشتباه نشا من انتساب أمه إلى هذه الطائفة ( 3 ) نشا نشأته الأولى في مدينة ( خوي ) وعلى بعض أساتذتها أخذ الأوليات العلمية ومقدمات الدروس الدينية . ثم هاجر إلى النجف الأشرف فتتلمذ بها على الفاضل المولى محمد الإيرواني والشيخ محمد حسين الكاظمي والحج ميرزا حبيب الله الرشتي . ثم عاد إلى وطنه « خوي » بعد أن قطع المراحل العلمية في النجف ، كان يقيم صلاة الجماعة والجمعة في المسجد المعروف ب « مسجد شاه » وقد جدد بناؤه لأجله ، وقد انتقلت اليه امامة الجمعة من آبائه الذين كان لهم هذا المنصب رسميا منذ أمد بعيد . في نهضة « المشروطة » المعروفة دخل في معامع السياسة ، واختاره علماء آذربايجان نائبا عن تبريز في المجلس النيابي لأول دورة ، فانتقل إلى طهران في سنة 1324 بصفة نائب ودخل المجلس وأصبح له نفوذ بين النواب للمؤهلات الخاصة التي كان يتمتع بها ، وكان في المجلس من العلماء الممتازين الذين لهم رد القوانين المطروحة به إذا لم تكن موافقة للشرع الإسلامي . ثم انتخب في المجلس النيابي أيضا للدورة الثانية ، وكان من الخمسة الذين انتخبهم علماء النجف بعنوان الفقهاء الناظرين على القوانين . كما انتخب في الدورة الثالثة عن طهران . وأصبح نفوذه في الدولة والناس بحيث كان له يد في نصب وعزل بعض الوزراء وكبار الموظفين والشخصيات الإدارية المرموقة . وكان بيته في طهران مجمعا للمبرزين من العلماء والسياسين وأهل الحل والعقد ، فكانت محافله مراكز للتداول السياسي وما يهم المملكة من الشؤون . أما الناس في السنوات الأخيرة من حياته ، فكانوا بين مؤيدين في مواقفه تجاه الحكومة وأعماله المؤيدة لها وللشاه خصة ، وبين جارحين له يرون أن مكانته الروحية لا تناسب ما هو فيه من الصبغة [ السباسية ] السياسية . ولكنه على كل حال أبدى معارضات في قضايا حاسمة وكان يقول كلمته في الظروف المناسبة . يروي عن الشيخ محمد حسين الكاظمي وشيخ الشريعة الاصفهاني والفاضل الشربياني والميرزا حبيب الله الرشتي . ويروي عنه السيد شهاب الدين المرعشي النجفي ( 4 )