تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣

المشهور الملا إسماعيل الاصفهاني فدرس عنده الحكمة لخمس سنوات ، وبعد وفاة أستاذه هذا انتقل إلى درس الحكيم المعروف الملا علي النوري في الحكمة ، حتى بلغ مستوى رفيعا في الفلسفة المشائية والاشراقية . رحل بعد ذلك إلى خراسان ومكث في مشهد خمس سنوات اشتغل خلالها في تدريس الفقه والأصول والحكمة ، وتخرج على يده طلاب بارزون أصبحوا في عداد كبار المجتهدين والمحققين في عصرهم . ثم سافر للحج ، وبعد عودته بقي فترة في كرمان ، وتزوج زواجه الثاني ، ولم ينقطع خلال ذلك عن التحقيق والمجاهدة في سبيل تزكية النفس واستغرقت سفرته هذه ثلاث سنوات ، ثم عاد بعد ذلك في عام 1246 أو 1248 هإلى مسقط رأسه سبزوار ، واشتغل فيها حتى آخر عمره في التدريس والمطالعة والتحقيق . كتب الملا محمد الهيدجي في آخر حاشيته على شرح المنظومة للملا هادي السبزواري ما يلي : « يبدو من خلال كلامه ( كلام السبزواري ) ان تاليفه لهذا الكتاب كان في حدود عام 1276 ه‍ » ويضيف قائلا : ولد الحاج الملا هادي عام 1212 ه‍ ، ورغم كون أبيه من تجار وملاكي سبزوار ، الا انه آثر طلب العلم والأدب على الحياة المرفهة . . ثم يتحدث عن بعض أدوار حياته ومراحل دراسته ، حتى يقول : كان معاش السبزواري منحصرا في زوج من البقر وبستان صغير ، وفي فصل قطف العنب كان يدعو جميع الطلاب إلى بستانه ، ويبدأ أولا بدفع الحقوق المترتبة عليه ، ثم يحتفظ بالثلث ويوزعه بالتدريج على الفقراء . وفي أيام عيد الغدير كان يدفع لكل فقير من فقراء السادة قرانا واحدا ، ولسائر الفقراء نصف قران ، وقد عرف بعزة نفسه وعدم قبوله مطلقا لشيء من التحف والهدايا ، وعرف أيضا طوال حياته بزهده وتقواه وصدقه وصفاء نفسه ، ولم يكن يعر اهتماما لاحد من الأغنياء والأكابر ، وحين زاره ناصر الدين شاه في داره في سبزوار جلس على حصير كان مفروشا في غرفة التدريس ، وطلب منه تأليف كتاب باللغة الفارسية في الأصول ، وبعد عودته بعث له خمسمائة تومان ، فلم يأخذها ، بل وزعها مناصفة بين الطلاب والفقراء ، وامر بإعطاء السادة ضعف ما يعطى للآخرين . نقلت عن السبزواري كرامات عديدة لا مجال لذكرها ولكن ليس هناك كرامة أعلى واسمى من ضبط النفس وتسخيرها ، فذلك أساس كل كرامة . تعرض مؤلف ( ريحانة الأدب ) للحديث عن لقاء ناصر الدين شاه القاجاري بالملأ هادي السبزواري في سبزوار ، فكتب عنها ما يلي : « ينقل شخص موثوق رافق ناصر الدين شاه في رحلته إلى أوروبا حديثا عن لسان شخص ( الشاه ) ، حيث كان يقول ( الشاه ) : كنا كلما دخلنا مدينة بادر أهلها إلى استقبالنا ثم يشيعوننا حين نرحل عنها ، وفي سبزوار بادر أهلها بكامل طبقاتهم إلى استقبالنا ، ما عدا الملا هادي السبزواري ، وذلك لأنه لا يعرف الشاه ولا الوزير ، فرضيت لهذا الأمر كل الرضا وقلت : إذا لم يكن يعرف الشاه فان الشاه يعرفه ، ثم حددت يوما معينا وذهبت مع خادم واحد إلى منزل الملا هادي - بدون المراسم السلطانية التي تزعج أهل العلم - وكان حينها وقت الغداء ، وبعد الحديث حول مسائل متفرقة ، قلت له : لقد أتم الله نعمته علي ولا بد لكل نعمة من شكر ، فكما ان شكر نعمة العلم هو تدريس العباد وإرشادهم وشكر الغنى مساعدة الفقراء ، كذلك فان شكر السلطة والقدرة هو قضاء حوائج جميع الناس . لذلك أتمنى عليك أن توكل إلي أمرا أستطيع به أداء الشكر على نعمة السلطة . فأظهر الحاج ( السبزواري ) غناه وعدم حاجته ، ولم ينفع معه اصراري ، حتى ذكرت له اني سمعت بامتلاكه قطعة أرض زراعية ورجوته ان يتوقف عن دفع الضرائب للدولة ، فلعلنا بذلك نكون قد اسدينا ولو خدمة صغيرة ، ولكنه اعتذر حتى عن هذا الطلب ، وعلل ذلك بقوله : ان الضرائب ثابتة كما وكيفا في كل ولاية ، ولا يمكن تغيير أساسها من خلال التغييرات الجزئية ، فإذا لم أدفع الضريبة المتوجبة علي ، عاد الضرر على سائر الناس وعلى أولياء الأمر ، إضافة إلى احتمال ان هذه الضريبة سيتحملها بعض الأيتام والأرامل ولا أحسب ان صاحب الجلالة يرضى بالتخفيف عني واعفائي من الضرائب إذا كان ذلك سببا لتحميل الأرامل والأيتام ما لا يطيقون ، وإلى هذا كله فان الدولة تتحمل نفقات باهظة فعلى جميع الناس ان يتحملوا تامينها ، ومن هنا فاني أؤدي الضرائب عن رضى وطيب خاطر . ثم يضيف الشاه قائلا : قلت لو أمرتم بإحضار الغداء لنتناوله في خدمتكم ، فأشار الحاج ( السبزواري ) إلى خادمه بإحضار الطعام دون ان يتحرك من مجلسه ، فاتى الخادم على الفور بطبق خشبي فيه لبن وملح وبعض اقراص الخبز وعدد من الملاعق ، فاخذ الحاج اقراص الخبز فقبلها بكل أدب ووضعها على جبهته وتوجه إلى الله بآيات الشكر ، ثم قطعها وغمسها في اللبن ، ووضع امامي ملعقة وقال : كل فهذا خبز حلال زرعته وحصدته بيدي . يقول الشاه : تناولت ملعقة واحدة فوجدت الطعام خشنا لا أطيق تناوله ، فاستأذنته في الاحتفاظ بباقي اقراص الخبز ووضعتها في منديل ودفعته للخادم لنستشفي به إذا ما مرض أحد أفراد العائلة المالكة . ثم يتعرض الشاه للحديث عن المتلبسين بلباس أهل العلم ويذمهم ويعترض على أعمالهم غير اللائقة ، في حديث مفصل لا مجال لذكره هنا . . انتهى كلام الشخص الموثوق « ( 1 ) وبالإضافة إلى درجاته الرفيعة في المجالات العلمية والعملية الأخلاقية كان يمتلك ذوقا رفيعا في الشعر العربي والفارسي . لم يكن الحاج الملا هادي يقبل بحضور كل شخص في درسه ، بل كان يشترط على من يرغب حضور درسه ان يكون قد انهى دراسة المقدمات اي لا بد من انهاء المتقدم لدراسة الكتب التالية : 1 ) الصرف والنحو في اللغة العربية والمعاني والبيان من كتب جامع المقدمات والسيوطي والمطول . 2 ) المنطق من بعض الكتب من قبيل الكبرى والشمسية وشرح المطالع . 3 ) الرياضيات المشتملة على هندسة أقليدس والنجوم . 4 ) مباني الفقه

هامش
( 1 ) ريحانة الأدب ، تأليف محمد علي المدرس ، ج 2 ص 424 - 425 .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 333 | حسن الأمين