ويبدو ان تيمور ضرب هذه المدينة تقريبا في حوالي القرن الرابع عشر الميلادي ، ولكنها استعادت وجودها وأسوارها مرة أخرى ، وكما يظهر من حديث علي اليزدي ( 1 ) في ( ظفر نامه المجلد الأول ص 237 ، 293 ، 449 لشرف الدين علي اليزدي ) أنها كانت في وقته لا تزال مدينة مهمة . وينبغي التذكير بان خوارزم وعاصمتها كاث كانتا في ذلك الوقت جزءا من ترانسويانا Transoiana ، وحينما بلغ البيروني سن الشباب ، كانت هذه المنطقة خاضعة لسلطة السامانيين ، إذ كان يحكم آنذاك نوح الثاني بن منصور 366 - 387 ه 976 - 997 م ومنصور الثاني بن نوح الثاني 387 - 389 ه 997 - 999 م ، ويبدو أن البيروني امتدح الملك خلال سنتي حكم السلطان منصور الثاني بن نوح الثاني الساماني . وفي عام ( 384 ه 994 م ) هزم الغزنويون السامانيين في الجزء الجنوبي لنهر جيحون ، واستولوا على الأراضي التابعة لهم . وفي شمال نهر جيحون أوقف أيلك خان تركستان - زعيم قبائل الترك ما بين فرغانة وحدود الصين - جيوش السامانيين وقضى عليهم وأنهى بذلك سلسلة السامانيين بعد أن نهب ترانسويانا واحتل بخارى عام ( 380 ه 990 م ) . ( 2 ) وبعد سنة من انقراض السلالة السامانية ، رحل البيروني إلى جرجان ( من الأجزاء الجنوبية لبحر الخزر ) لغرض الإقامة الطويلة فيها . ويبدو أن ذلك كان في عام ( 338 ه 998 م ) أي في الوقت الذي عاد فيه السلطان أبو الحسن قابوس بن وشمگير شمس المعالي ( الزياري ) من منفاه . ويصف ابن حوقل مدينة جرجان بأنها مدينة جميلة بنيت من الآجر في ناحية تقل رطوبتها عن آمل ، وبالتالي فهي أعذب هواء منها ، وكذلك فهي أقل من طبرستان مطرا . وتتالف المدينة من شطرين يفصل بينهما نهر ، ويربط بينهما جسر عائم ، ويطلق اسم جرجان في أغلب الأحيان على القسم الشرقي من المدينة ، ويذكر ابن حوقل بان مساحة شطري المدينة والجزء الغربي من ضواحيها يعادل مساحة مدينة الري القديمة . ( 3 ) وتكثر الفاكهة في أطراف المدينة ، ويحضر الحرير بكميات كبيرة ويذكر المقدسي بان اسم الشطر الأصلي لمدينة جرجان - أي الشطر الشرقي - هو ( شهرستان ) ( 4 ) . ويحتوي هذا الشطر على خمسة مساجد وسوق ، ويباع فيه الرمان والزيتون والبطيخ والباذنجان والعنب بأثمان بخسة ، وكل هذه الفاكهة والثمار من الأنواع الجيدة . ويقسم المدينة نهر ، أقيمت عليه بعض الجسور العائمة أو من الآجر . وفيها ساحة عامة مقابل قصر الحكومة ، وللمدينة تسع بوابات . وعيب جرجان الوحيد هو ارتفاع حرارتها وكثرة الذباب والحشرات الأخرى التي يسمي الأهالي بعضها بالذئاب ( گرگان ) ومن ثم فقد حملت هذه المدينة اسم گرگان نتيجة لذلك . ألف - الطريق من كاث إلى جرجانية ( گرگان ) : لم يذكر البيروني جزئيات سفره من كاث إلى جرجان ، ولذلك لم يستطع الباحثون اكتشاف الطريق التي سلكها في سفره بعد مضي ألف سنة عليه . ومن ثم فنحن مضطرون إلى مراجعة الحوادث التاريخة لابن حوقل ( بين 350 و 367 ه 961 - 977 م ) أي معاصرة له أو متأخرة عنه قليلا ، لأنها أقرب الحوادث إلى حياة البيروني وربما أكثرها استدلالا ( 5 ) . حيث كان البيروني قد سلك نفس الطريق التي سلكها ابن حوقل فيما بعد . ويظهر من الخريطة أن كاث ، عاصمة خوارزم الشرقية ، تقع على الضفة الثانية من نهر جيحون ، في أعالي النهر الذي يسمى ب ( جاردو ) ، ويفصل ابن حوقل الحديث عن الطريق التي سلكها في رحلته . ( 6 ) قام أبو الريحان في أواسط عمره - بما يقارب اليقين - بعبور جيحون بزورق ثم وصل أردخشمين التي تقع على الطريق الرئيسية شمال خيوه ، ووصل جرجان بعد اجتيازه لعدد من المدن الكبيرة التي لم يبق لها أي أثر في الوقت الحاضر . ويتحدث ياقوت الحموي عن أردخشمين التي سكنها عام 616 ه 1219 م ، فيقول ما مضمونه : « هي مدينة كبيرة ، ذات أسواق جميلة ومراكز تجارية ، وإلى الجنوب من جرجان تقع مدينة نوزفار ( Nuzvar ) ، التي يصفها المقدسي ، بأنها مدينة صغيرة قوية الاستحكامات ، ذات بوابتين حديديتين وبرج وحصن وقلعة عالية ، ويحيط بها خندق أقيمت عليه جسور متحركة لتسهيل الدخول إلى المدينة ، وترفع هذه الجسور أثناء الليل وتوضع على قوارب . ويوجد في ساحة سوق المدينة مسجد الجمعة ، وهو ملتقى الناس ومحل تجمعهم ، ويوجد كذلك حمام جيد بالقرب من البوابة الغربية للمدينة . ( 7 ) ويبدو أن هذه المدينة هي نفسها التي أسماها يعقوب فيما بعد بنوج كاث ( أي كاث الجديدة أو الحائط الجديد ) والتي دمرها المغول تماما بعد قليل من عودة يعقوب . ( 8 ) وأما زمخشر فتقع بين نوزفار وگرگان ، وكانت هذه المدينة - في زمن البيروني - تربطها بالخارج جسور متحركة أيضا ، وتحتوي على مسجد جامع كبير ، وسجن كبير محكم ذي بوابات حديدية ، ويحيط بها خندق . وقد وصفها ياقوت في القرن السابع الهجري ( الثالث عشر الميلادي ) بأنها قرية . ( 9 ) وحملت هذه المنطقة اسم زمخشر ( 10 ) ، وهي مسقط رأس أحد كبار مفسري القرآن وهو الزمخشري إذ ولد فيها عام 467 ه . ( 1075 م )
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 234
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٣٤
هامش
( 1 ) « ظفر نامه » شرف الدين علي يزدي ، المجلد الأول ص 237 ، 293 ، 449 .
( 2 ) 132 . Iane poole the Mohammadan dynas Ties .
( 3 ) صورة الأرض ( النسخة العربية ) ص 324 .
( 4 ) « أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم » . المقدسي . ص 287 .
( 5 ) ريحانة الأدب ، المدرس التبريزي ج 4 ص 200 .
( 6 ) من كاث إلى جرجانية ثلاث مراحل ، فمن كاث إلى اردخشميشن مرحلة ومنها إلى نوزقار مرحلة ومن نوزقار إلى جرجانية مرحلة ، ويجري نهر جيحون خلال هذه المسافة ( ابن حوقل ص 233 ) .
( 7 ) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم . المقدسي . ص 288 .
( 8 ) معجم البلدان . ياقوت الحموي . المجلد الخامس ص 309 .
( 9 ) معجم البلدان . المجلد الثالث ص 147 .
( 10 ) « ظفر نامه » شرف الدين علي يزدي ، المجلد الأول ص 237 ، 293 ، 449 .