من كاث إلى الري والعودة إلى كاث
ولد أبو الريحان محمد بن أحمد في بيرون قرب مدينة كاث ( 1 ) ( Kath ) في الثالث من ذي الحجة عام 362 هالموافق للرابع من سبتامبر عام 973 م . ويجدر بالذكر أن مدينة ( كاث ) أصبحت فيما بعد عاصمة خوارزم ( وهي ناحية دلتا آمو دريا ، التي تتمتع الآن بحكم ذاتي باسم جمهورية كاراكلپاس أو قراقلباق ) . ( 2 ) تقع كاراكلپاس في السواحل الجنوبية لبحر آرال في آسيا المركزية ، وكانت تابعة لما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي . أمضى أبو الريحان 25 سنة من عمره في موطنه الأصلي ، ودرس على [ بد ] يد بعض الأساتذة مثل منصور بن أيراك الجيراني وهو عالم في الرياضيات . وفي موطنه هذا بدأ أعماله الكتابية الأولية ، وبدأ بمراسلة ابن سينا الشاب البخاري الأعجوبة الذي يصغره بسبع سنين . ( 3 ) يعتقد بعض المؤلفين المعاصرين وبعض المؤلفين الذين تلوا البيروني بان « بيرون » مسقط رأس البيروني ومدينة كاث ، تقعان في وادي السند ، وليس لدينا ما يثبت أو يبطل هذا الاعتقاد ، ولكن على أي حال فان مدينة كاث أو كات كانت مهمة وعامرة لقرون طوال ، سواء قبل البيروني أو بعده . ويكتب الإصطخري ( المتوفى عام 346 ه 7 - 958 م ) في كتابه المسالك والممالك ما مضمونه : « ومدن خوارزم الأخرى هي : درغان ، هزار [ اسپ ] أسب ، خيوه ، خشميش ، أرد خشميش ، سافر دز ، وگرگانج ، وتدعى قصبة هذه النواحي » كاث « ، وفيها قلعة قديمة . وقد أتى السيل على المدينة ، فانتقل أهلها إلى مكان أعلى منها بعد أن بلغ السيل القلعة . وخشي على مسجد ( آدينه ) الواقع في القلعة وقصر خوارزم شاه المحاذي للمسجد ، وعلى السجن المتاخم للقلعة . وثمة نهر صغير يجري وسط المدينة ، ويقع على ضفتي هذا النهر سوق طويل ذو سماطين . . . » . ( 4 ) وكما يظهر من كتاب المسالك والممالك ، فان مدن خوارزم الأخرى هي درغان ، هزار أسب ، خيوه ، خشميش ، سافر دز ، وگرگانج وتعرف مدينة كاث عاصمة لهذه المنطقة . وكانت هذه المدينة طوال تاريخها مركزا للحكومات المتعاقبة . وللمدينة سور وبرج أتى عليهما السيل بمرور الوقت ، ولا تزال أطلالهما باقية إلى الآن . وقد استبدل الناس بهذه المدينة - بعد انهدام قلعتها وسورها وبرجها موضعا آخر أعلى منها ، بعد أن بلغت السيول القلعة ، وخيف عليها وعلى مسجد آدينه ومقر خوارزم شاه وسجن المدينة المجاور للمسجد . وثمة نهر يجري وسط المدينة ترامت الدكاكين على ضفتيه . وتعرضت بعض بوابات المدينة للخراب وأعيد بناء بعضها . ويتعرض ابن حوقل لذكر موقع مدينة كاث على الخريطة التي رسمها بنفسه في كتابه ( صورة الأرض ) ( الذي يحتمل أن يكون تاليفه في عام 367 977 ه ) فيقول ما يلي : « تحت مصب النهر الخامس لمدينة ترمذ ، إلى الشمال من نهر جيحون ، وإلى الأسفل منها هاشم جرد وقربر على ضفة جيحون » . وفي معجم البلدان ( 5 ) ( 616 ه ) يكتب ياقوت : « معنى الكاث بلغة أهل خوارزم الحائط في الصحراء في غير أن يحيط به شيء ، وهي بلدة كبيرة من نواحي خوارزم إلا أنها من شرقي جيحون دون جميع نواحي خوارزم ، وإنما هي من ناحية جيحون الغربية - وبين كاث وگرگانج ، مدينة خوارزم عشرون فرسخا . ويكتب حمد الله المستوفي القزويني في كتابه ( نزهة القلوب ) ( 6 ) ، المصنف عام 740 1340 م ما يلي : « فرغانة ، هي ولاية من الإقليم الخامس - وقد بناها أنوشيروان العادل ، ونقل إليها بعض الأهالي من بيوت شتى ، ومن ثم فقد سميت » هر خانه « ( 7 ) ( ومعنى هر خانه : كل بيت ) ، ثم تغير اسمها لكثرة الاستعمال إلى فرغانة ، وقد أعيد بناؤها على يد قيدو بن قاشي بن أوگتاي قاآن ودوا بن براق بن يسون بن ماتكان بن جغتاي خان ، وكان المشهور في العصور الغابرة : كاث وكاشان واخسيكت » ، ففرغانة إذن هي إحدى ولايات الإقليم الخامس ، وقد بناها أنوشيروان العادل ، وقد سميت « هر خانه » لأن أهلها جمعوا من بيوت ونواح شتى ، وبعد استعمال طويل تحول اسمها إلى ( فرغانة ) ( Farghana ) ، واسمها الحالي هو أنديگان ( Andighan ) . وكانت المدن الكبيرة في العصور الغابرة : فرغانة ، كاث ، كاشان ، اخسيكت . وظلت كاث في معزل عن الأحداث حتى أواسط القرن الرابع عشر ، ومن حملة المغول إلى عام 1333 م . وخلال سفره من أورگنج إلى بخارى ، لم يشر السائح العربي ، ابن بطوطة إلى وجود مدينة في طريقه إلى كاث ، حيث يقول ما مضمونه : « وعند ما عزمت على ترك خوارزم ، استأجرت عددا من الإبل ، واشتريت هودجا لبرودة الجو ، وكان الخدم على ظهور خيولهم ، بينما رزمنا الفراش والسجاد على ظهر الإبل . وفي سفرنا هذا ما بين خوارزم وبخارى ، مررنا بصحراء ، قطعناها في ثمانية عشر يوما ، ولم نجد طوال الطريق محلا لاستقرارنا إلى مدينة كاث الصغيرة التي دخلناها بعد أربعة أيام من حركتنا . وقد نزلنا بالقرب من بركة ماء متجمدة يلعب عليها الأطفال ، تقع بالقرب من هذه المدينة . وقد حضر قاضي المدينة لاستقبالنا ، ثم تبعه حاكمها وحاشيته ، ودعونا لضيافتهم والإقامة عندهم » . ( 8 ) ويشير ابن بطوطة إلى الوقت اللازم لقطع المسافة الفاصلة بين كاث وبخارى ، في معرض حديثه عن شرح الأوضاع الطبيعية لهذه المنطقة ، وكذلك يبدي رأيه بخصوص أهمية هذه المدينة ، التي ولد فيها « البيروني » والذي اضطر لمغادرتها في أوائل شبابه .