فأبت إلى البيت العتيق مودعا
له نويا عودي اليه مدى العمر
ووجهت وجهي نحو طيبة قاصدا
إلى خير مقصود من البر والبحر
فتوجه للعراق وزار البصرة والنجف وكربلاء وبغداد وسامراء وبعد إقامة قصيرة وزيارة العتبات المقدسة لم يطب له المقام فيها فسافر إلى خراسان ومن ثم إلى أصفهان عاصمة إيران آنذاك بدعوة من شاه إيران الشاه حسين الصفوي فوصل إليها سنة 1117 ه .
وهناك قدم السيد المدني كتابه رياض السالكين إلى السلطان الصفوي ولكنه وجد الأمور غير طبيعية ومضطربة في العاصمة فقصد مدينة أجداده شيراز ووجدها عامرة بالحركة العلمية فاختارها مقرا مؤقتا لسكناه آملا بالعودة إلى الحجاز وانصرف في التدريس والتأليف في المدرسة المنصورية حتى لبى نداء ربه .
ألم الفراق وحنين العودة إلى الوطن
انعكس حبه للوطن وألمه للفراق وحنين العودة في مواضع عدة من شعره وتمتاز مكة المكرمة بمكانة خاصة في قلبه فيخاطبها عندما غادرها للهند ملتحقا بوالده :
أمعاد هل يفضى إليك معاد
يوما يرغم معاند وعاد
فأفوز منك بكل ما أملته
[ دخرا ] ذخرا لآخرتي ويوم معاد
ويقول في مكة أيضا :
فارقت مكة والأقدار تقحمني
ولي فؤاد بها ثاو مدى الزمن
فارقتها لا رضى مني وقد شهدت
بذاك أملاك ذاك الحجر و [ الدكن ] الركن
فارقتها وبودي إذ فرقت بها
لو كان قد فارقت روحي بدني
ويذكر نجد مستصغرا ارض الهند امامها فيقول :
يقول الهاشمي غداة حزنا
بحار الهند نقطع كل وهد « 1 »
أتذكر عن هوى تلعات « 2 » نجد
وأين الهند من تلعات نجد
وفي موضع ثالث يقول عن مكة المكرمة :
خليلي هل عهدي بمكة راجع
فقد قليت بالهند مني المضاجع
وهل شربة من ماء زمزم ترتوي
بها ( كبد ) قد أظمانها الوقائع
وهل عامر ربع الهوى بسويقة « 3 »
فعهدي بذاك الربع للشمل جامع
وهل من صفا من سالف العيش بالصفا
يعود لنا يوما فتصفو المشارع
سقى الله ما بين الحجون إلى الصفا
مرابع فيها للظباء مراتع
وجاد بأجياد « 4 » منازل جيرة
بهن حمام الابطحين سواجع
وحيا الحيا بالمأزمين « 5 » معاهدا
فما عهدها عندي مدى الدهر ضائع
ويخاطب أهل مكة قائلا :
وحياتكم يا ساكنين أم القرى
ما كان حبكم حديثا يفتري
أهوى دياركم التي من حلها
حل الجنان بها وعل الكوثر
إلى أن يقول :
لله ايامي بمكة والصبا
تهدي إلى فؤادي مسكا أوفر
أشري بكل الدهر منها ساعة
لو أنها مما تباع وتشترى
ويتذكر بحرقة أيام إقامته بالحجاز قائلا :
سقى الله أيامنا بالحجاز
ولا جازها الغيدق الهاطل
فما كان ارغد عيشي بها
إذ المنزل القفر بي آهل
لقد طال وجدي وذكري لها
وليس لعصر مضى طائل
فيها لهف نفسي له ماضيا
ترحل والوجد بي نازل
ترى من عزائي به خارج
وداء الأسى في الحشا داخل
درى ان وجدي به لا يزول
وصبري من بعده زائل
يقولون لي انه خاذل
وخير الظبا الشادن الخاذل
أتعدلني جاهلا حاله
لك الويل يا أيها العاذل
تجيب الصفاة وليس يجيب
ودمعي على وجنتي سائل
ويقول في خاتمة قصيدة أخرى :