يطوف من ركن لركن كعاشق
يخاتل من يصبو له ويراود
وكم ملك أمسى لديك ممتعا
معافى وأضحى وهو في الترب هامد
وكم قام قبل اليوم فوقك هادم
على كل بان موغر الصدر حاقد
وكم نصبت للناس فيك حبائل
فاحبطتها من آخرين مكائد
ترى فئة منهم حفاظا وغيرة
تجادل فيها خصمها وتجالد
وتصطرع الأجيال حولك بعضها
يصول على بعض وأنت محايد
قد اختلف الوفاد فيك فراكع
أمامك مسحور وآخر ساجد
ولاء يرى ضربا من اللهو انه
بجنبك ماش أو يظلك قاعد
فما كل من وافاك للعلم قاصد
ولا كل من وافاك للفن وافد
ولا كل من عاينت بالحق ناطق
ولا كل من شاهدت بالفضل شاهد
وقد لامني في وصفك اليوم معشر
بليد الشعور مسقم الذوق فاسد
يريدونني في الشعر ذا عصبية
ضلالا وتأباها علي القصائد
وحاشا القوافي أن أراهن خضعا
لما نفرت عنه القوافي الشوارد
يقولون لو غنيت بالشعر ما بنى
وناغيت ما أبقى ذووك الأماجد
فما أنت والإيوان وهو كما ترى
غريب دخيل لا سقته الروافد
وهل أنا إلا يعربي لقومه
هواه وأبكار المعاني النواهد
أيجحدها كالشمس تسطع جاحد
وينقدها كالورد تنفح ناقد
وما أنا والإيوان إلا مصور
صناع لما فيه من الفن واجد
وكل الورى للفن أهل وإنما
أعز الفنون ثاكل الأهل فاقد
وله مراسلا صديقا له :
عتبت وما لي يعلم الله من قصد
سوى إن لي قلبا هواك على البعد
وعينا محاها الدمع بعدك والأسى
فأصبحت في يوم كليلي مسود
حللت فؤادا لم يحل به هوى
سواك ولم يعرف لغيرك من ود
( أتاني وممطول من الناي بيننا
قوارص قول هن أورى من الزند )
تفوق نبل الذم نحوي فاتقي
شباة الهجا والذم بالمدح والحمد
إذا جرحت قلبي رجعت مضمدا
جراحي بما قد كان للحب من وعدي
فارجع كالموتور أعياه عضده
ذماما وهل لي غيرك من عضد
فلا تشمتن فينا حسودا يود لو
طوانا الردى بين الصفايح واللحد
ولا تطفان نار العدي بعد ما غدت
قلوبهم تغلي عليها من الحقد
يعز على عيني - وعينك - أن ترى
نظام الهوى والود منتثر العقد
ألا ليت شعري هل أرى لك عودة
ترد لنا ما مر من سالف العهد
لتحيي فتى أمسى يسل صبابة
عليك فما فيه سوى العظم والجلد
ونفس إذا ما جسها الأهل لم يروا
سوى شبح في حر أنفاسه يعدي
صبرت على آلامها غير جازع
وإن كان لا يفنى اصطباري ولا يجدي
كاني وقد أجريت سائل أدمعي
كهتان شؤبوب على النحر والحد
أضفت إلى النار التي في جوانحي
بصيب ذاك الدمع وقدا على وقد
إذا سرت يوما قام يتبعني الضنا
كما يتبع المأسور في حلق القيد
عجبت لقلب لا يرق لحالتي
( ولو أنه أقسى من الحجر الصلد )
أحن وفاء والوفا غير نافعي
حنين العطاشى حلقوها عن الورد
أأقرب في ودي إليك فلا أرى
جزاء سوى الأعراض عن ذلك الود
أغرك أني لست في الهجر والجفا
صبورا ولا في نبوة عنك بالجلد
وهبتك روحي وهي غير رخيصة
فليس لروحي من نظير ولا ند
لك الأمر فاحكم ما تشاء فليس لي
بأمر الهوى عن حكمك اليوم من بد
وجر واحتكم أولا فاقسط فإنني
عتبت وما لي يعلم الله من قصد
وقال :
بعز على الأيام أغضاؤها معي
وفي نفسها لو كفكفت فيض مدمعي
ولم تترك إلا بقايا شبيبة
تخلفن عندي بالأسى والتفجع
تمنيت لو فارقتها غير آسف
ولاقيت شيبي بعدها غير موجع
ولكنني أبقى عليها فعلني
أنال لها ثارا ولما تودع
وما زلت حتى يلتقي الدمع بالدما
فاشرب منها مترعا بعد مترع
لعلي بها ألقي حياتي فإنها
دمائي اغتذى منها الطغاة وأدمعي
هم فجروها سلسلا بعد سلسل
وهم نزفوها [ منبعا ] منعا بعد منع
وكم صاحب لي من بني أمتي غدا
به مثل ما بي من شجى وتوجع
سرى الهم في جنبيه كالنار في الغضا
وما الهم إلا النار تسري باضلع
يبيت ويضحي ساهد الطرف والها
فلا جفنه يغفي ولا عقله يعي
وطفل على ثديين لم يبق فيهما
سوى الجلد مطويا على صدر مرضع
ذوى وهو ريان الطفولة مونع
فاضحى كان لم يرو منها ويونع
وشيخ قضى لم يدر ما النعم ساعة
ولم ياو - إلا بعض حين - لمضجع
طوى العمر لم يطعم سوى خبز ملة
ولم يشتمل إلا بثوب مرقع
فليت الألى لم يفقر الشعب غيرهم
أصاخوا إلى شكوى عراة وجوع
عهدت بلادي وهي جنة بابل
على الدهر لم تعدم غضارة أربع
جرى الخصب في أعراقها فتبسمت
رياضا زهت في كل أرض وموضع
وأخرى « 1 » على هام السماء تزينها
بابهى من الشهب الدراري وأسطع
تبث خفي السحر في كل ناظر
وتفتن في أخبارها كل مسمع
فكم أمة ضاقت مواطنها بها
ولم يلقها غير العراق بأوسع
أقامت به لا السحب ضنت بديمة
عليها ولا البيد الفساح بمرتع
ولا الرافدان الزاهيان تبرما
فلم يجريا بالبارد المتدفع
ضجيعان لم تطبق عيونهما ولا
تفتحن إلا بالهنا والتمتع
يشقان أرضا لو أصابا حديدها
تورد يزري في جنائن تبع
فما لي أراها أجدبت بعد خصبها
وصوح من غيطانها كل ممرع
وأضحت خلاء لا ترى غير مدقع
من الفقر أو قفر من الأرض بلقع
وما زال فيها من فرات ودجلة
مسارب لم تنزف ولم تتقطع
بلى إنها لم تبق غير شواطئ
بأيدي ذئاب ضاريات وأضبع
ومدن بها أمثال تلك فان عوت
أجابت باقسى من عواها وأروع
شكا الحرب أقوام صلوها وما دروا
بمن يشتكي في السلم حرب التشجع
نسوا عندها شتى المطامع جمة
ونحن أثارت عندنا كل مطمع
فمن تاجر لو كان بالفلس ربحه
لباع حياة الشعب دون تورع
ومن مرتش أغراه دينار مدع
عليه فأغضى عن حقوق لمدع
يساوم - لا يخشى عقابا - رشاته
علانية في كل ناد ومجمع
فأين الثقات المخلصون ؟ ألا أرى
سوى خائن أو مجرم متقنع
أريد أكفا مصلحات جديرة
بقطع أكف هادمات وأذرع