تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
لم يجده فاغتم لفقده ، وكنت عنده ، فاستحضر أبا يعقوب الزاجر المكفوف ، ولما استؤذن له ، قال لمن حضر ، أنصتوا فلا يسمع منكم شيئا يفسد عليه زجره ، وحين دخل قال له إني سائلك عن شيء فانظر ما هو ؟ فأطرق مليئا ثم قال : تسألني عن ضالة ، قال فما هي ؟ فتفكر طويلا وضرب بيده وقال : شيء غال رفيع سموط أبيض وأحمر وأخضر وهو في كيس في وعاء - قال : أصبت - قال فمن أخذه ، قال فراش - قال أين هو ؟ قال في البالوعة - فانجلى الهم عن يحيى وقال - اطلبوا أثرا على بلاليع ، دارنا - فوجدوه على رأس واحدة ، فكشفوا عنها واخرجوا جرابا لا يدري بما فيه من الجواهر قيمة - ثم قال : يا غلام ادفع إليه خمسة آلاف درهم ، ومر فلانا بابتياع دار له يجوارنا بخمسة آلاف درهم - فقال : أما هذه الخمسة آلاف درهم فنأخذها ، أما المنزل فلن يبتاع أبدا - سأله يحيى عن زجره فأجابه أن الزجر يكون بالحواس ، وليس لي بصر وإنما ازجر بسمعي ، ولما دخلت تسمعت فلم أسمع شيئا وضللت ، فقلت ضالة - ولم أسمع كلاما ما فضربت بيدي على البساط ، فوجدت قمع تمرة وقلت في النخلة وعاء وفيه الأبيض ثم الأحمر ثم الأخضر وهو كالسموط في طلعه وهذه صفة الجواهر في جراب . وقلت : من أخذه ونهق الحمار وهو علج ، فقلت لا يصل إلى مال الملوك علج غير الفراشين - وسالتني عن الموضع فسمعت قائلا يقول : صبه في البالوعة - قال فكيف زجرت ما أمرنا لك به ؟ قال ، لما أمرت بالخمسة آلاف الأولى سمعت الغلمان تقول - نعم ، فقلت تصل - وفي الخمسة آلاف الأخرى ، سمعت بعض هؤلاء يقول : لا . ثم أخذ الخمسة آلاف ومضى ، ولم تمض إلا أيام يسيرة حتى وقع بالبرامكة ما وقع وحدثت بهم النكبة « . ومن المعلوم أن نكبة البرامكة حدثت في عام 187 ه‍ « 803 م » إذن يلزم أن يكون الكندي حيا في هذا التاريخ . ولا نعلم على الضبط السن الذي كان فيه ، بل نستدل من جملة « وكنت عند » أي عند يحيى بن خالد بأنه كان حاضرا فقط . فإذا علمنا أن جابر بن حيان كان يتردد أيضا على البرامكة وأنه اختفى بعد نكبتهم ، نستدل على أنهم كانوا يرعون العلماء ويتفقدون شأنهم . ولعلهم رأوا في الكندي منذ طفولته ، علائم النجابة فتبنوه منذ صغره . يقول ابن النديم في كتاب الفهرست أن أبا معشر درس على الكندي الفلك وهو في السابعة والأربعين من عمره ، وإذا علمنا أن هذا التلميذ « كما جاء في كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة » بلغ من العمر مائة عام وتوفي في آخر رمضان سنة 272 ه‍ « 886 م » فإنه يكون قد اجتمع مع الفيلسوف عام 219 ه‍ . « 834 م » ، ويلزم أن يكون الفيلسوف في هذه المقابلة قد تجاوز السادسة والثلاثين من العمر ، لأنه ليس من المعقول أن يكون أصغر من خمس سنوات حينما حضر الرجز في دار يحيى بن خالد البرمكي . وإذا علمنا كما بين لنا ابن أبي أصيبعة بان الكندي كان قبل مقتل المتوكل بشهرين حيا ، وقد كان ذلك عام 247 ه‍ - 861 م . يكون الكندي من 803 إلى 861 على قيد الحياة « أي 58 عاما » ويرجع ديپور الهولاندي صاحب كتاب تاريخ الفلسفة في الإسلام « ترجمة أبي ريده 1938 » نظرا لرسائل الكندي في علم أحكام النجوم بان الكندي حتى عام 256 ه‍ - 870 م لا يزال حيا . وعلى كل يلزم أن يكون قد تجاوز السبعين من العمر . إن الجاحظ المعاصر للكندي لا ينير لنا الطريق لمعرفة بعض المجاهيل في حياة الكندي وجل ما نعلم عن الجاحظ بأنه يتهمه بالبخل في كتابه المعروف بالبخلاء ، ويقص عنه حكايات مضحكة ، وسواء كان الكندي كريما أم بخيلا فإننا نستدل على المنافسة بين الرجلين وعلى سيطرة روح عدم التلاؤم التي كان مبعثها الاختلاف بين المزاجين ، فمن يراجع كتب الكندي بامعان يجد الرزانة غالبا على طبعه ، يكره حشو الكلام ، رياضي التفكير ، محبا للتنسيق بعيدا عن التهكم ، لا يحب أن يحيد عن الموضوع ، ومن كانت هذه صفته كان بعيدا عن روح الجمهور . وإذا دققنا في آثار الجاحظ وجدنا أنه رغم تفكيره العميق لا يثبت على فكرة واحدة . نعم أنه كان يستند على المنطق والمشاهدة في جزئيات الأمور ، ولكنه في كلياتها كان بعيدا عن روح التنسيق كثير التهكم ، محبا للانتقال . وإذا امعنا النظر في هذين المزاجين وجدنا الفرق بينهما واسعا ، ولا يمكن حصول روح التلاؤم بينهما بحال من الأحوال . فلا غرابة إذن من طعن الجاحظ في الكندي ولعل عدم إكثاره في ذلك لاقتناعه بكبر شخصيته وعظم منزلته . ومهما يكن الاختلاف بين الجاحظ والكندي ، كبيرا فإنهما كانا قطبين مختلفين كونا تلك الحركة الفكرية الهائلة في الشرق الإسلامي ، كما يكون القطبان الايجابي والسلبي التيار في العمود الكهربائي فالكندي هو أول من صهر ببوتقة فكره ماثر العرب وحكمة أثينة ، فاسطع شمسا جديدة في سماء الشرق ، فتاثيره إذن على رزيني الفكر . أما الجاحظ فبانتقالاته من موضوع إلى موضوع وإكثار المزح في كتاباته مع شديد تعطشه للمعرفة وكشفه عن غوامض الطبيعة ، أيقظ الروح العلمية في الناس ، لا في العلماء فحسب ، بل عند العامة أيضا . وقد أثر هذان العالمان في تلك الجمعية العلمية « اخوان الصفاء » التي تأسست في البصرة في القرن الرابع الهجري والعاشر الميلادي . أما عن الكتب التي ألفها الكندي فاني سأزيد على ما هو معروف بان الكندي ألف رسالة ترد على الكيميائيين ذكرها المسعودي في مروج الذهب : « طبع باريس ، ج 8 ، ص 176 ر 177 » وجعلها مقالتين يذكر فيها تعذر فعل الناس لما انفردت الطبيعة بفعله وخدع أهل هذه الصناعة وحيلهم وترجم هذه الرسالة بابطال دعوى المدعين صناعة الذهب والفضة من غير معادنها وقد نقض هذه الرسالة على الكندي ، « كما بين المسعودي » أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الفيلسوف صاحب الكتاب المنصوري في الطب . رغم أن الكندي ينقد صناعة الذهب والكيمياء القديمة فله رسالة في كيمياء العطر والتصعيدات نشرها وترجمها إلى الألمانية كارل گربرز في لايبزيغ 1948 . في هذا الكتاب نجد مقدرة الكندي الكيميائية الخالية من السحر والطلاسم مثل التقطير والتصعيد وغير ذلك ويشير مارتين ليفي في كتابه باللغة الإنكليزية عن الكيمياء والصناعة الكيميائية في العراق الذي ألفه عام 1959 بان لمثل هذه العمليات أصل عراقي قديم ، ولدى دراستنا للعقاقير التي يذكرها الكندي نجد صلتها مع الهند وكذلك مع إيران قوية أيضا . ويضيق مجال بحث هذه القضايا في مثل هذه العجالة . للكندي رسالة في الأحجار ، فيقول البيروني في كتابه الجماهر في معرفة الجواهر المطبوع في حيدرآباد 1355 ه‍ . « ص 31 » : - ولم يقع لي من هذا الفن « في الجواهر » غير كتاب أبي يعقوب بن إسحاق الكندي في الجواهر والأشباه ، قد افترع فيها عذرته وظهر ذروته ، كاختراعه البدائع في كل ما وصلت إليه يده من سائر الفنون ، فهو امام المحدثين وأسوة الباقي . ثم مقالة لنصر بن يعقوب الدينوري الكاتب عملها بالفارسية لمن لم يهتد لغيرها وهو تابع الكندي في أكثرها . ثم يذكر الكندي في