تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩

التعرض للذل . ( 1 ) لكن هذا الشعب الذي اعتاد أن يحكم نفسه بنفسه أبى أن يخضع لتسلط الجزار وقواته . فبادر الشيخ فارس الابن الأكبر للشيخ ناصيف إلى لعب دور والده النضالي ، فجمع شمل العامليين الذين تركوا بلادهم ، وشكل منهم فرقا انتحارية للإغارة على معسكرات الجزار ( 2 ) ، كما سعى في الوقت نفسه إلى الاتصال بمن تبقى في البلاد العاملية ، لتنسيق الكفاح مع الفرق الانتحارية التي شكلها ، في وقت بدأت تنتشر فيه إشاعات بان الباب العالي غاضب على الجزار ، وسوف يرسل حملة برية وبحرية لتدميره . فتشكلت خلايا سرية في جبل عامل ، خططت للانقضاض على عساكر الباشا بمجرد تبلغهم أول إشارة رسمية عن عزله ، لكن بوصول أنباء هذه المؤامرة إلى مسامع الأخير ، أصدر أمرا في أيار ( مايو ) سنة 1782 ، باقتياد الزعماء المتأمرين إلى عكا مقيدين بالحديد ، وبطرد جميع المتأولة ومعاملتهم بالشدة المتناهية ( 3 ) . لكن الإرهاب لم يزرع الخوف في قلوب العامليين ، بل زادهم تصميما على السعي لاستعادة السيادة التامة على بلادهم ، وضاعفوا غاراتهم وهجماتهم على عساكر الجزار . وبلغت جرأتهم إلى حد قيام الشيخ عقيل فارس النصار بالهجوم على قلعة تبنين ، فافنى العساكر الموجودة فيها ( 4 ) وفشلت كل محاولات الجزار للإيقاع بتلك الفرق الانتحارية ، وعانى جبل [ عاقل ] عامل كثيرا من هذا الوضع ، لأنه وقع بين نارين ، نار ضباط الجزار وعساكره ، ونار الثوار العامليين ولم يكن الجزار يعترف بالهزائم التي كان يلحقها بجنده هؤلاء بل كان يقلب الحقائق ويبذل جهودا إعلامية لجعل الأهالي يصدقون كذبه ( 5 ) ، كاطلاق المدافع احتفالا بانتصار مزعوم حققته قواته ، رغم أنها في الواقع تكون مهزومة . كما كان يحاول أن يوقف نشاط الثوار ، عن طريق إثارة الرعب بين الرعايا ليتمنعوا عن إمداد هؤلاء بالمساعدات أو الانضمام إليهم . كانزال العقاب العلني بصورة وحشية ، في من يشتبه بان لهم علاقة بالثوار . سواء بوضعهم على الخازوق وإبقائهم على هذا الوضع لأيام عديدة عند مداخل مدينتي صيدا وعكا ، أو برفع رؤوس القتلى على مرأى من الناس في أعالي أسوار قلعتي المدينتن المذكورتين ( 6 ) وأشارت إلى ذلك الوثائق الفرنسية الصادرة عن عكا بتاريخ 16 أيار ( مايو ) 1780 بقولها : « أصدر أمرا إلى متسلم مدينة صور باعتقال المشايخ والأعيان المتأمرين وإرسالهم إلى عكا . وفي الرابع عشر منه نفذ الباشا فيهم العقوبة ، فأمر برفع أربعة وثلاثين منهم على الخازوق عند أبواب المدينة ، ولا يزالون حتى الآن ويشاع بأنهم سوف يستبدلون بعدد من أبناء وطنهم الموقوفين والمتهمين كذلك بالتحالف مع المتمردين » ( 7 ) عانى جبل عامل كثيرا من تسلط الجزار وجنده ، فعقب كل غارة يشنها الثوار على المعسكرات العثمانية المقامة في بلادهم ، يوجه الباشا عساكره إلى القرى العاملية لمطاردتهم ، فيعيشون في البلاد فسادا ، يصادرون الغلال ويضيقون على السكان ، ويفرضون عليهم الغرامات النقدية والقيام باعمال السخرة ، بحجة أن بعضهم يتعاون مع الثوار ويقدم لهم الامدادات ، أو يلصقون بالسكان هذه التهمة زورا فيطالبونهم بتقديم الهدايا للضباط وإيواء الجند وتقديم ما يحتاجونه من طعام وغذاء . وتادية العلف لخيولهم . وعند مغادرة القرية يصادرون الدواب لنقل المؤن والذخائر للعساكر ، وفي ظروف كثيرة يسترقون النساء والأطفال الرضع ليباعوا في أسواق النخاسة ، والقيام بنهب ما يصادفونه من متاع وأثاث ومؤن ( 8 ) وكان الباشا يكثر من هذه الحملات الحربية ، ويتغاضى أثناء الغزوات عما يرتكبه الجند من جرائم وآثام ، لكي يعوض عليهم مرتباتهم المتأخرة منذ عدة أشهر ، وبذلك يتحقق هدفان معا إرضاء الجند ، ومضاعفة ثروته . وأشارت الوثائق الفرنسية الصادرة عن صيدا إلى ذلك بقولها . « هددوا ( أي الجند ) بالثورة ، وأعلنوا بصوت عال بان نهب المدن يجب أن يكون دخلهم ، وصرح الباشا لمترجمي بأنه لولا الذي حدث لكان هؤلاء التعساء ( أي الجند ) بحالة لا تطاق . . . » ( 9 ) وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الوضع إلى تضور السكان من الجوع ، فاقتصروا على اقتناء ما هم في أمس الحاجة إليه من قوت ولبس ، ولم يعد أحد يجرؤ أن يبدو عليه أي مظهر يدل على الثراء ( 10 ) وتركت تلك النكبات بصماتها على مدينة صور ، فقد أفادنا الرحالة الفرنسي أوليفيه ( Oliver ) الذي زارها في أواخر القرن الثامن عشر ، أنه لا يوجد مدينة في الإمبراطورية العثمانية ، فيها تعاسة مثل تلك الموجودة في مدينة صور . كما أن سان إنان ( St . Aignant ) قد أشار بأنه لم يبق من هذه العاصمة الفينيقية الأثرية ، التي كانت سابقا في غاية الثراء والقوة ، إلا ما لم يتمكن الإنسان أن يسلبه منها .

نجف قلي ميرزا حسام الدولة

من أحفاد فتح علي شاه القاجاري ، ولد عام 1303 في النجف ، كان يجيد اللغة العربية والإنكليزية والفرنسية وعمل في وزارة الخارجية الإيرانية لسنوات طويلة ، ترجع شهرته لكتابه عن العلاقات السياسية الإيرانية ( تاريخ روابط سياسي إيران با [ رنيا ] دنيا ) في مجلدين ، ويعد هذا الكتاب من المصادر المهمة في معرفة تاريخ الدبلوماسية الإيرانية مع العالم ( 11 )

نصر الله فلسفي

من كبار المحققين والمتتبعين والمؤرخين الإيرانيين في العقود الأخيرة ولد بطهران عام 1280 ودرس فيها وعمل في إحدى الدوائر الحكومية ثم صار أستاذا في جامعة طهران ثم مستشارا ثقافيا لإيران بإيطاليا كما درس في جامعة
هامش
( 1 ) المصدر نفسه تقرير صادر بتاريخ 2 / 10 / 1782 .
( 2 ) إبراهيم العورة . تاريخ ولاية سليمان باشا العادل . مخ . نشرة قستنطين الباشا ، حريصا ( لا . ت ) انظر ص 34 .
( 3 ) دار الوثائق القومية في باريس ( 1 A . E . B ) مجلد 979 تقرير صادر عن عكا بتاريخ 16 / 5 / 1785 .
( 4 ) المصدر نفسه تاريخ 4 / 6 / 1784 .
( 5 ) المكان نفسه .
( 6 ) المصدر نفسه تاريخ 2 / 6 / 1789 .
( 7 ) المصدر نفسه تاريخ 16 / 5 / 1785 .
( 8 ) إبراهيم العورة ، مصدر سابق ص 35 .
( 9 ) المصدر السابق مجلد رقم 1037 تقرير صادر عن قنصلية صيدا بتاريخ 17 / 2 / 1777 .
( 10 ) المصدر نفسه تقرير صادر بتاريخ 2 / 10 / 1782 .
( 11 ) الشيخ محمد رضا الأنصاري .