تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨

الفترة موضوع البحث . وكان يتولى إدارة مقاطعاتها مجموعة من المشايخ ، يقيم كل منهم في إحدى تلك المقاطعات مع أتباعه المزارعين ، الذين يتعهدون أرض المقاطعة لحسابه ( 1 ) . وينتمي هؤلاء [ المشاءخ ] المشايخ إلى ثلاث عائلات إقطاعية لها السيادة الأولى في تلك البلاد ، وهم بنو صعب في مقاطعة الشقيف ، وبنو منكر في الشومر والتفاح وآل علي الصغير في مقاطعة بلاد بشارة ، وكان بمقدور كل شيخ عند الحاجة أن يجند من مائتين وخمسين إلى ثمانمائة رجل ، إذا اجتمعوا معا يشكلون قوة قتالية قوامها تقريبا ستة آلاف مقاتل ، معظمهم من الفرسان اشتهروا في كل سوريا بشجاعتهم النادرة ، التي شهد لهم بها معاصروهم من الفرنسيين ( 2 ) ، فقد أشار إلى ذلك الدبلوماسي الفرنسي باراديس ( Paradis ) بقوله : « شاهدناهم يقاتلون بترتيب ونظام ، مما جعلهم ينتصرون على أعدائهم الذين يفوقونهم عددا . . . » . وشهد جبل عامل في النصف الأول من القرن الثامن عشر ، ازدهارا اقتصاديا بارزا ، نتيجة لنشاط التجار الأوروبيين وخصوصا الفرنسيين منهم في بلاد الشام الجنوبية وتشجيع التجارة معهم ، فاهتم السكان بزراعة القطن والتبغ بعد أن وجدوا أسواقا لها لدى الفرنسيين بالإضافة إلى مصر ( 3 ) كما أخذ التجار الفرنسيون يتصلون مباشرة بمشايخ القرى ، وصاروا يدفعون لهؤلاء ثمن قطنهم مقدما ، فأدت هذه العلاقة إلى ازدياد المساحة المزروعة قطنا ، واشتهرت بلدة أنصار بجودة إنتاجها من هذا المحصول ( 4 ) وبازدياد مداخيل مشايخ جبل عامل نمت قوتهم العسكرية و [ زاداد ] ازداد نفوذهم السياسي ، وتزعمهم شيخ المشايخ ناصيف النصار الذي اتخذ من قلعة تبنين مقرا له ( 5 ) . واستطاع مع باقي المشايخ من ترميم القلاع العاملية وتزويدها بالأسلحة والذخائر ، وتمنعوا عن دفع الضرائب إلى والي صيدا كلما حاول الأخير أن يجيبي منهم أكثر من تلك المقررة عليهم ( 6 ) وأشارت إلى ذلك إحدى الوثائق الفرنسية الصادرة عن صيدا بتاريخ 4 / 11 / 1757 بقولها : « . . . الشيخ [ ناصيب ] ناصيف يعتقل نائب قنصل الرملة ويقتاده إلى تبنين ، أبلغ القنصل الفرنسي في صيدا باشا الولاية بالحادثة ، لكن الأخير أبدى له استياءه من تصرف الشيخ المذكور ( أي ناصيف ) الذي يرفض أن يدفع له الميري المتوجبة للباب العالي . . . » ( 7 ) وجاء في وثيقة أخرى « أرسل الشيخ ( أي ناصيف النصار ) مائة وخمسين فارسا لمصادرة البضائع ، وأمرهم بمصادمة قوات الباشا إذا حاولت منعهم . . . » ( 8 ) وبذلك شكل العامليون قوة مهيبة في المنطقة ، تطلعت إلى محالفتها قوى محلية في بلاد الشام الجنوبية ومصر ، كانت قد تمردت هي أيضا على السلطات العثمانية ، وتطلعت إلى استغلال موارد بلادها ، والتخلص من عسف الولاة وظلمهم . وتمثلت هذه القوى في ( ظاهر العمر في الجليل وعلي بك الكبير في مصر ) ، وأنزل المتحالفون هزائم مذلة بقوات كل من والي الشام عثمان باشا الصادق ( 1760 - 1771 ) وأمير جبل الدروز يوسف الشهابي ( 1770 - 1789 ) ، في دمشق والحولة والنبطية وسهل الغازية وزحلة ، ولكن هؤلاء الزعماء المتمردين ما لبثوا أن سقطوا الواحد تلو الآخر . وبإسناد ولاية صيدا إلى أحمد باشا الجزار ( 1776 - 1804 ) ، تجنب في الفترات الأولى من حكمه الصدام مع العامليين ، نظرا لما يعلمه عن شجاعتهم ووعورة بلادهم . ولكن ما إن ازدادت ثقته بنفسه وبقدرته على التعامل معهم بحزم ، حتى قرر عام 1781 الاستفادة من فرمان عثماني يأمره بالسير إلى جبل عامل وتدميره ( 9 ) فوجد في ذلك فرصة لتحقيق مكاسب عديدة ، تتلخص في مضاعفة ثروته وتعزيز مكانته في الآستانة ، وإقامة حكم مركزي فعال . كما أن نجاحه في ذلك من شانه إرضاء السلطات العثمانية التي كانت تنظر شزرا إلى شيعة العراق ولبنان واليمن . وفي 23 أيلول ( سبتمبر ) 1781 تصدى العامليون للحملة عند قرية يارون ، فجرى اقتتال انتهى بمقتل الشيخ ناصيف وشقيقه أحمد مع حوالي أربعمائة من مقاتليه ، في حين فقد قائد الحملة ما يقارب ثلث عساكره ( 10 ) ثم تقدمت القوات الغازية في جبل عامل لتحطيم قلاعه الرئيسية ، فسقطت جميعها باستثناء قلعة الشقيف ، التي صمد فيها الشيخ حيدر الفارس مع ستمائة من أتباعه ، وأيدي شجاعة وبسالة في مقاومة الحصار الذي فرض عليهم ( 11 ) ، ولم يستسلموا إلا بعد أن بذل لهم الجزار وعودا بأنه لن يلحق بهم أية أذية ( 12 ) ورغم احترام الجزار لوعده ، ومنحه للشيخ حيدر وأتباعه إقطاعات ليعيشوا عليها . فان الأخير لم يخف عليه أن هدف الباشا من هذه المعاملة الحسنة ، ليس سوى محاولة منه لتشجيع العامليين الذين فروا من بلادهم ، للعودة إليها واستثمارها ، مما سيعود على الجزار بموارد وفيرة . فما أن عاد الأخير إلى عكا ، حتى هرب الشيخ ومعه أتباعه إلى دمشق ، حيث وجدوا الحماية من واليها ( 13 ) واستبدل الباشا بمشايخ مقاطعات جبل عامل ضباطا من عنده ، مزودين بفرق عسكرية قادرة على السيطرة بفعالية على تلك المقاطعات ، أما من استطاع من العامليين الفرار ، فقد انتقل إلى بلاد بعلبك وعكار خشية

هامش
( 1 ) ملاحظة : تباينت الأرقام لدى مؤرخي هذه الفترة . راجع فولني مصدر سابق ج 1 ، ص 463 ، عبود الصباغ مخ . الروض الزاهر في تاريخ ظاهر . انظر ورقة 11 96 . p 2 . V 1877 vols , Paris 2 , Mariti , G , Voyage dans liisletdChypre اعتمدنا على تقرير الوثائق القومية في باريس من مجموعة ( 1 . . ) مجلد 1035 وثيقة صادرة عن قنصلية صيدا بتاريخ 28 / 6 / 1772 .
( 2 ) ( 21 - 20 ) F . R . F - 6430 PARADIS , Memoires sur la syrie M . S a ) BNP ( N
( 3 ) ( 15 - 13 ) . pp . 1973 , th century . jerusalem 18 COAEN AMNON palestine in the
( 4 ) دار الوثائق القومية في باريس مجموع ( 1 A . E . B ) تقرير صادر عن قنصلية صيدا مجلد رقم 1030 تاريخ 3 / 1 / 1755 .
( 5 ) ( 5 ) . 96 . p 2 . MARITop . cit . v
( 6 ) المصدر السابق مجلد رقم 1030 تاريخ 4 / 1 / 1755 .
( 7 ) المكان نفسه .
( 8 ) أرشيف غرفة التجارة والصناعة في مرسيليا مجموعة ( ) ملف رقم 795 وثيقة مؤرخة في 4 / 12 / 1781 .
( 9 ) دار الوثائق القومية في باريس مجموعة ( 1 A . E . b ) تقرير صادر عن قنصلية صيدا مجلد رقم 1039 تاريخ 2 / 10 / 1781 .
( 10 ) ملاحظة : تباينت الأرقام لدى مؤرخي هذه الفترة . راجع فولني مصدر سابق ج 1 ، ص 463 ، عبود الصباغ مخ . الروض الزاهر في تاريخ ظاهر . انظر ورقة 11 96 . p 2 . V 1877 vols , Paris 2 , Mariti , G , Voyage dans liisletdChypre اعتمدنا على تقرير الوثائق القومية في باريس من مجموعة ( 1 . . ) مجلد 1035 وثيقة صادرة عن قنصلية صيدا بتاريخ 28 / 6 / 1772 .
( 11 ) المكان نفسه .
( 12 ) المصدر نفسه تاريخ 22 / 6 / 1782 .
( 13 ) المكان نفسه .