المضمون ، إلا بعد إنشاء المتصرفية اللبنانية سنة 1861 ، فقد عرف المعنيون باسم أمراء الدروز لا أمراء لبنان ، وكذلك عرف خلفاؤهم الشهابيون ، رغم أن هؤلاء لم يكونوا دروزا ، ولكن من السنة الذين تنصروا فيها بعد ( 1 ) وقد أطلقت عبارة جبل لبنان على المقاطعات الجبلية الشمالية ( جبة بشري وجبيل والبترون ) ، ولم يستعمل العثمانيون هذا التعبير في مراسلاتهم السياسية مع أمراء لبنان ، لأن الاسم لم يكن متداولا إلا بين الموارنة ، الذين لم يكن لهم كيان سياسي خلال الفتح العثماني ، بعكس الدروز الذين برز زعماؤهم كقادة سياسيين في غرب سوريا ( 2 ) . وعرفت المنطقة الممتدة إلى الشمال من طرابلس باسم [ عكار ] عكا ، وأغلب سكانها من المسلمين ، شاركوا في كثير من الأحيان في الأحداث السياسية التي كان مسرحها مقاطعات المرتفعات الجبلية اللبنانية . في حين أطلق جبل الدروز أو جبل الشوف على البلاد التي تشكل نصف دائرة ، طرفها الأول شمالا في جبيل والثاني جنوبا في صيدا ( 3 ) ، وقد عرفت بهذا الاسم على الصعيدين الرسمي والشعبي ( 4 ) ، ومع ازدياد هجرة موارنة الشمال إلى جبل الدروز ، شاع منذ نهاية القرن الثامن عشر ، استخدام عبارة « جبل لبنان » للدلالة على الامارة بكاملها ( 5 ) . أما رسائل التنصيب التي كانت ترسل إلى الشهابيين ، فكانت توجه [ إاى ] إلى جبل الشوف أو جبل الدروز ، واستمر هذا الأسلوب متبعا حتى أواخر حكم الشهابيين سنة 1841 ( 6 ) أما المنطقة الممتدة وراء صيدا فقد عرفت باسم جبل عامل ، وأطلق على البلاد التي تتصل بها شرقا اسم إقليم وادي التيم ، وهي مهد آل شهاب ( 7 ) . وقد ارتبط تاريخ هذه المناطق التي أشرنا إليها ارتباطا وثيقا ، بحيث غالبا ما كان ينعكس الحدث التي تصادفه إحداها على الأخرى . وقد قسمت هذه الأقاليم إلى إقطاعيات محددة المساحة ، تولى على كل منها إقطاعي من عصبية محلية يحمل لقب أمير أو مقدم أو شيخ ، وهو ذو سطوة ونفوذ على سكان مقاطعته ، الذين يقفون إلى جانبه عند حاجته إليهم ، ولا يخالفونه بشيء . ويتبع هؤلاء المقاطعجية ( المناصب بلغة ذلك العصر ) - زعيم قبلي أعلى - ( أمير حاكم في جبل الدروز ) و ( شيخ مشايخ في جبل عامل ) - يلتزمون هذه المقاطعات من الوالي العثماني مقابل مبلغ على المقاطعات ، فيقوم المقاطعجية بجبايتها من رعاياهم ( 8 ) ، وهذا أحد مظاهر الالتزام الذي طبقته الدولة العثمانية في العديد من الولايات . كما يتوجب على [ لأمير ] الأمير الحاكم أو شيخ المشايخ ، بالإضافة إلى هذا الواجب ، أن يقدم خدماته العسكرية حين تدعوه الدولة إلى ذلك ، فيحضر ومعه أتباعه بالسلاح والرجال ، وعرف هذا الواجب بالاقطاع العسكري ( 9 ) . وهكذا يتبين لنا مما تقدم ، بان السلطة العثمانية لم تفرض حكمها المباشر على هذه الأقاليم ، بل طبقت عليها سياستها في معاملة الولايات الجبلية الوعرة ، أو البعيدة عن قلب السلطة المركزية ، وبأنها جمعت في حكم لبنان نظامين إقطاعيين اعتادت أن تطبق أحدهما أو الاثنين معا ، في مناطق تتمتع بوضع جغرافي شبيه بلبنان ، مثل كردستان وشبه جزيرة العرب ، وذلك بجعل الحكم العثماني فيها اسميا أو سطحيا بمعنى أنها لم تكن ترسل إلى أقاليمها تلك حكاما عثمانيين ، وإنما فقط تعترف بوجود زعيم قبلي أو عسكري أو إقطاعي يحكم باسم السلطان ، ويدفع في كل سنة الميري والجزية المقررة عليها ، ويحافظ على النظام بين السكان ( 10 ) . وإذا بلغ أحد هؤلاء الزعماء درجة من القوة والنفوذ ، ونزع إلى الاستقرار وشكل خطرا على جيرانه ، كانت السلطة المركزية في الآستانة أو في الولايات ، تتذرع بالصبر وتنتظر الفرصة المناسبة للإيقاع به . وذلك لاقتناع أولئك المسؤولين بان القضاء على جميع المتمردين في وقت واحد أمر صعب ولا نهاية له ، ويتطلب أموالا وفيرة وقوات غفيرة . كما أن الاخفاق قد يؤدي إلى استمرار المتمردين في عصيانهم ، وإلى زوال سطوة الدولة وهيبتها ، لذلك كانت السلطات العثمانية تثير على هؤلاء جيرانهم أو أقرباءهم أو أبناءهم أنفسهم ( 11 ) . ولم تكن الأقاليم المشار إليها تخضع مباشرة لسلطة حاكمة واحدة تأتمر بأمرها ، ولكنها خضعت إلى سلطات عديدة موزعة ما بين ثلاثة ولاة عثمانيين ، يفرضون أحيانا سلطتهم المباشرة على رعاياهم في عواصم ولاياتهم ( دمشق وعكا وطرابلس ) ، وأحيانا أخرى عن طريق وكلاء عنهم . في حين كانوا ينيبون عنهم متسلمين بالمدن الساحلية الكبرى ( 12 ) ، ويلزمون إدارة المقاطعات الجبلية إلى زعيم عصبية محلية ، أحد بكوات آل الأسعد المرعبي في [ عكار ] عكا ، أمراء آل حرفوش في بلاد بعلبك ، أمير شهابي في وادي التيم ، وآخر في جبل الدروز ونواحي مقاطعة جبيل ، ومشايخ آل علي الصغير في جبل عامل . وقد سار العثمانيون في حكم جبل عامل على السياسة نفسها ، المتبعة في إدارة الولايات الجبلية الوعرة ، فقد كانت تلك البلاد تتبع ولاية صيدا في
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 327
مساهمون: حسن الأمين
ص٣٢٧
هامش
( 1 ) كمال سليمان الصليبي . تاريخ لبنان الحديث . مترجم ، الطبعة الثالثة بيروت ، دار النهار للنشر 1967 . ص 134 ، محمد جميل بيهم . عروبة لبنان وتطورها في القديم والحديث . بيروت : دار الريحاني والنشر ، 1969 ، انظر ص 196 .
( 2 ) . 16 . p . 1968 . HARIK , ELIYA , poLitics and changes in a traditional societies , princeton ; University press
( 3 ) . 84 . p 9 t . 1983 - 1975 . t 25 ; ESMAIL , ADEL , Documents Diplomatipues ed , des Oeuvres politiques et Historiques , Beryrouth
( 4 ) . 15 . HARIK . op . cit , p
( 5 ) كمال الصليبي . مرجع سابق ، ص ( 12 - 13 ) .
( 6 ) راجع نص الفرمان في :
. ( 84 - 83 ) pp 3 . t . 1894 - 1892 , vols 10 . TESTA . ) I . Baron de ( , Recueil des traites de la porte Ottoman avec les puissances etrangers
( 7 ) . 104 . p 9 . ISMAIL . op . cit . t
( 8 ) نظام الالتزام . أي أن السلطات العثمانية كانت تبيع حكام الولايات مناصبهم بالالتزام ، مقابل مبلغ معين يدفع بعضه مقدما والبعض الآخر أجلا ، ثم يقوم الملتزم بدوره بتلزيم مقاطعات ولايته أو أجزاء منها إلى ذوي النفوذ فيها . لمزيد من المعلومات انظر : عبد العزيز شناوي . تاريخ أروبا في العصر الحديث . القاهرة 1961 . ص 534 - 535 .
( 9 ) الاقطاع العسكري . أطلق عليه في التركية اسم « السباهية » وهم رجال من الجيش منحوا إقطاعات متباينة المساحة للاستقرار فيها وزراعتها ، مقابل الخدمة العسكرية حين تدعوهم الدولة إلى ذلك ، فيلبون النداء مع أتباعهم مزودين بالخيل والسلاح ، ويتوقف عدد أتباع كل إقطاعي على مساحة الأرض المقطعة له ومقدار مواردها . انظر : هارولد بون وهاملتون غب . المجتمع الإسلامي والغرب . تر . أحمد عبد الرحيم مصطفى ، جزءان ، القاهرة : دار المعارف 1971 ، راجع ج 1 ص ( 67 - 69 ) .
( 10 ) كمال سليمان الصليبي . تاريخ لبنان الحديث . مترجم ، الطبعة الثالثة بيروت ، دار النهار للنشر 1967 . ص 134 ، محمد جميل بيهم . عروبة لبنان وتطورها في القديم والحديث . بيروت : دار الريحاني والنشر ، 1969 ، انظر ص 196 .
( 11 ) فرنسول ، شاسبوف فولني . سوريا ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر . تر . حبيب السيوفي ، جزءان المجلة المخلصية صيدا ، 1947 - 1949 ، ج 1 ص ( 66 - 67 ) .
( 12 ) المتسلم شغل هذا المنصب موظفان كان كلاهما بمثابة نائب للوالي العثماني فقد أطلق هذا اللقب على حكام السناجق والمقاطعات الصغيرة أو المدن الهامة ، وأيضا على نائب الوالي في عاصمة الولاية ، وكانوا يقومون بجباية الأموال ويرسلونها إلى الحكام الأصليين .