« فتح علي » وسائر المسؤولين .
وبلغ ما بذله « جان ملكم » مائتي ألف وسبعين ألفا وثلاثة آلاف ليرة ذهبية . يقول « السير هارفورد جونز » سفير إنكلترا في إيران يومئذ في كتاب له عن تاريخ سفارته في هذا الموضوع : « أصبح كرم الشعب الانكليزي مضرب المثل في إيران . والعامة فيها أصبحوا يعدون الحصول على المال من ذلك الشعب من أسهل الأمور » .
وبلغ من انقياد « فتح علي شاه » للسياسة الإنكليزية أن أقدم ، بعد عقده تينك المعاهدتين الخاسرتين ببضعة أشهر ، على قتل الصدر الأعظم « إبراهيم خان اعتماد الدولة » وذويه قتلة فظيعة ، إذ كان هذا الصدر أدق نظرا وأكثر خبرة وأبعد فهما في الأمور السياسية من غيره . فهب خصومه من كل جانب يدسون عليه الدسائس ويوغرون عليه صدر الشاه ليزيحوه من طريقهم ، حتى قتله .
في سنة 1215 ، إذ تمكن « السير جان ملكم » من عقد تينك المعاهدتين ، أنعمت الحكومة الإيرانية على « حاجي محمد خليل ملك التجار » بلقب « خان » ومنحته كل الامتيازات والتشريفات التي تجعله أحد رجال الدرجة الأولى في المملكة . وعينته سفيرا لها في الهند . فلما عاد « السير جان ملكم » إلى الهند صحبه معه إليها . وتكفل « حاجي محمد خليل خان » بنفقات السفارة كلها ، يعطيها من ماله الخاص . وأعد حاكم « بمباي » بأمر من حاكم الهند العام ، استقبالا فخما له في « بمباي » . وأمر الحاكم العام أحد كبار الموظفين الإنكليز في « كلكتة » المستر « ريشار ستريتشي » بالسفر إلى « بمباي » ليكون السفير الإيراني ضيفا عليه . ووصل « حاجي محمد خليل خان » إلى « بمباي » يوم 28 المحرم سنة 1217 الموافق 22 أيار ( مايس ) سنة 1802 م .
وأقام الحاكم على باب المنزل الذي خصص لاقامته مائتي جندي وأربعة ضباط من الهنود للحراسة . واتفق يوما أن أطلق بعض خدم « حاجي محمد خليل خان » الرصاص على بضعة طيور كانت تحط على أغصان الشجر في حديقة البيت فقتلوها . واستاء الجنود من هذا العمل لأنه محرم في شريعة الهنود ، وأدى ذلك إلى جدال ونزاع بين الخدم والجنود . وسمع « حاجي محمد خليل خان » الضجة فخرج إليهم يستطلع الخبر ثم أخذ يحاول إنهاء الخلاف وإصلاح ما بين الطرفين ، وفيما هو في ذلك إذا برصاصة تصيبه فتقتله . وكان مقتله في تموز من تلك السنة بعد وصوله بثمانية وأربعين يوما .
وأهمت هذه الحادثة أولياء الأمور في الهند كثيرا ، وأعلنت الحكومة الهندية الحداد رسميا ، وأعلن هذا الحداد بإطلاق بضعة قذائف مدفعية من إحدى قلاع « كلكتة » ، وألغيت جميع الاحتفالات والمآدب الرسمية .
وتلقت الأوساط العسكرية والمدنية النبأ بالخوف والجزع ، وعم الحداد مدينة « بمباي » كلها ، وكذلك « كلكتة » و « مدارس » . ولم تترك حكومة الهند وسيلة ممكنة إلا استعملتها لاثبات أسفها وجزعها وحزنها من هذه الحادثة .
وأرسل الحاكم العام اللورد « ولزلي » سكرتيره الخاص « السير جان ملكم » إلى إيران لمباحثة ورثة القتيل في هذا الموضوع . وأرسل أيضا أحد كبار رجاله اسمه المستر « لوويت » برسالة إلى الشاه لتوضيح الحادثة وإظهار الأسف .
وأدت حكومة الهند ، أي « شركة الهند الشرقية » ، دية ضخمة إلى ابن القتيل « محمد إسماعيل خان » وعينت له الحكومة الإنكليزية راتبا شهريا مدى الحياة . وكذلك منحت الشركة الشاه والوزراء مبالغ كبيرة من المال .
السيد محمد رضا فضل الله
مرت ترجمته في المجلد التاسع من ( الأعيان ) وقد عثرنا له على قصيدتين ننشرهما فيما يلي :
جريء على الأيام من لا تهمه
حوادث دهر كل يوم تلمه
وذو عزمات ضاقت الأرض دونها
إذا جل يوما حادث جل همه
وما المرء كل المرء إلا ابن نجدة
يروع قلب الدهر إن جار حكمه
ولم تزر فيه وصمة من زمانه
كما السيف لا يزري بمعناه وصمه
ولا عودة يعطي الليان لغامز
وإن طال فيه الغمز أو طال عجمه
ولا يحدثن في خلة الناس مطمعا
فما خلة في الناس إلا تغمه
فكم من صديق قلت إني ملكته
ورغمي في ضيق الملمات رغمه
فلما رميت الظن منه بحاجة
ناى وإلى العيوق حلق نجمه
ألم يدر أن الحظ أخطا أهله
وقد طاش فيما رام يا سعد سهمه
ولم يدر أني لست أعرى من التي
بها يكتسي من فاضل العيش جسمه
وأن أديمي مخصب النبت مونق
ولم يعف رسمي متلما بان رسمه
فما الناس إلا الأفعوان فسمه
لبان و [ فبه ] فيه مخبا لك سمه
فكم قد غضضت الطرف منهم على قذى
وداويت جرحا سال بالأمس دمه
وسالمت ذي ضغن طوى كشح ضغنه
وأعرضت عنه بعد ما بان جرمه
إذا لم يظفرك الزمان بحاجة
وقد بان فيما تبتغي لك ظلمه
فكن جانحا للسلم إن كان جاريا
بعكس المنى أمر الإله وحكمه
وحتى متى أطوي الضلوع على جوى
وضم زفير يصدع القلب ضمه
وما لي أشيم البرق من أيمن الحمى
وعرف المنى في كل آن أشمه
أما آن للظمآن ري من الصدى
ومنهله بالماء يطفح جمه