تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦

الاعتبار ، وهذا هو رأي كبار العلماء إضافة إلى ملاحظة المقتل وسائر آثاره الأخرى ، ولكن مما يؤسف له أن النسخة الخالية من العيوب لمقتله غير موجودة ، وأما المقتل الموجود الذي ينسب إليه فهو مشتمل على بعض المواضيع المحرفة والمخالفة لأصول المذهب ، والتي عمد إلى دسها المخالفون المغرضون والأصدقاء الجاهلون ، وما الهدف منها إلا أغراض السوء . ومن ثم فلا اعتبار لهذا الكتاب وهو ساقط عن الاعتماد ولا يوثق بما ورد فيه . . . وقد قام ، الشيخ خلف آل عصفور بتحمل المشاق في بعض رسائله - التي كانت جوابا لثلاثين مسألة - لإظهار المآخذ على هذا الكتاب ، والأمور التي تخالف أصول المذهب ، ولكن لا نحسب أن مثل هذه الأمور خافية على المتأمل وليس من وراء هذه المشاق إلا الجهد والنصب « ( 1 ) وكذلك قال الحاج الشيخ عباس القمي : « أبو مخنف من كبار مؤرخي الشيعة ، وعلى الرغم من شهرة تشيعه ، فان علماء السنة يعتمدون عليه وينقلون عنه » ( 2 ) وقال أيضا قال المحدث القمي في هدية الأحباب ( 3 ) ما مضمونه : « لو كان مقتل أبي مخنف موجودا ، لكان غاية في الاعتبار ، كما يعرف ذلك من كبار العلماء الماضين ، ولكن مع بالغ الأسف فان أصل هذا المقتل قد فقد بمرور الأيام كما هو شان مقتل الكليني والمدائني وأمثالهما ، ولم يصلنا منها شيء . وأما هذا المقتل الموجود ، الذي طبع في آخر كتاب البحار والذي ينسب إلى أبي مخنف المسكين ، فهو ليس منه ولا يعرف من أين أتى » . وفي هذا المضمار يقول « فؤاد سزگين » : « انتهت كتب أبي مخنف إلينا ، إلا أنها تعرضت إلى التحريف والإضافة ، حتى أصبحت بعيدة عن الأصل كل البعد » ( 4 ) .

تراجم المقتل :

يبدو أن هذا المقتل المختلق قد ترجم مرة إلى الأردو ومرتين إلى اللغة الفارسية وهما كالآتي : - 1 - عام 1322 بقلم محمد طاهر بن محمد باقر الموسوي الدزفولي ومعه كتاب أخذ الثار في أحوال المختار ، المنسوب إلى أبي مخنف في 240 صفحة . 2 - ترجمة أخرى عام 1405 مع ملحق أخذ الثار في أحوال المختار في 317 صفحة ، وقد نشر بواسطة ناشر منتفع ، وقد عنون هذا الناشر اسم الكتاب على أنه « أول تاريخ لكربلاء » . تحتوي هذه الترجمة على مقدمة من ثلاث عشرة صفحة ، لا قيمة لها ولا معنى ، واهية العبارات ركيكة التعبير . وقد ذكر في هذه المقدمة ، أحاديث العظماء حول أبي مخنف ولكنها لم تشر من قريب أو من بعيد إلى تزييف واختلاق هذا المقتل . ويبدو واضحا أنهم على علم باختلاق هذا المقتل ، لأنهم يوردون في صفحات 12 و 13 أحاديث النوري والشيخ عباس القمي حول هذا المقتل ، ولكنهم عملوا بالقول المأثور فقرؤا * ( « كلوا واشربوا » ) * ونسوا * ( « ولا تسرفوا » ) * ، وهكذا قدموا إلى الناس كتابا مختلقا لا أساس له مع دراسة لمؤلفه الذي لم يكتب منه شيئا . ونرى من الضروري أن يتصدى المسؤولون الثقافيون لمثل هذا إلا الابتذال الثقافي ، فيقطعون الطريق على هؤلاء الأشخاص الذين لا ترى أعينهم إلا المنافع المادية ولا يبتغون من وراء الأمور الثقافية إلا هذه المنافع .

استخراج مواضيع أبي مخنف من تاريخ الطبري :

كما ذكرنا آنفا ، فان مقتل الحسين غير متوفر لدينا وأكثر حوادثه موزعة في تاريخ الطبري . وقد باشر البعض باستخراج وجمع هذه المواضيع وفيما يلي نعمد إلى ذكر ونقد وتحليل هذه الاستخراجات : 1 - مقتل الحسين ، استخراج الحسن الغفاري : وفقا لما ذكره المؤلف ، فان هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة مستخرجة مما ذكره الطبري عن واقعة كربلاء في تاريخه . وقد تحدث في مقدمة موجزة عن أسلوب استخراجه ، وذكر أحوال أبي مخنف وأضاف : « إن هذه المواضيع المثبتة في كتابنا هذا ، هي نفس المواضيع التي كتبها أبو مخنف إلا أنها ليست كل ما كتب » . وعلى هذا الأساس فان المؤلف يكون قد أورد ما ذكره الطبري من مواضيع دونها أبو مخنف مباشرة أو نقلها هشام عنه . والمأخذ على مثل هذا الاستخراج ، هو عدم وجود قطع بان كل ما يذكره هشام هو عن أبي مخنف ، فلربما يكون هشام قد سمع حديثا عن أبي مخنف لم يكن الأخير قد أثبته في مقتله . والأمر الآخر أنه ذكر كل ما وجده عن هشام ، ولا بد أن تكون بعض هذه المواضيع غير منقولة عن أبي مخنف ، فعلى سبيل المثال ورد في صفحة 22 : « قال هشام : قال عوانة . . . » ، وكذلك في صفحات 95 ، 220 ، 228 ينقل هشام عن عوانة بن الحكم ولكنها تنسب إلى أبي مخنف . وفي صفحة 187 ، ينقل هشام عن أبي الهذيل ، وكذلك في صفحة 230 ينقل هشام : « حدثني بعض أصحابنا . . . » وفي صفحة 231 : « حدثني عمرو بن حيزم الكلبي . . . » وغيرها ، وكلها قد نسبت إلى أبي مخنف . وأهم من هذا جميعا ما ورد في صفحة 28 ، الحديث عن عمر بن شبة المتوفى عام 262 ، ولم يلتفت المستخرج فنسبها إلى أبي مخنف ، بينما الأخير قد توفي قبل ولادة عمر بن شبة بأمد بعيد . وخلاصة الحديث أن كتاب مقتل الحسين مستخرج من تاريخ الطبري ، وهو باستثناء بعض الأمور التي يذكرها الطبري وبعض المسائل التي ينقلها الطبري عن غير أبي مخنف ، أقول أنه باستثناء ذلك نقل عيني عما ورد في نص الطبري ، ولكنه مستقل عنه ، ورغم أن المستخرج بذل جهودا في ذلك و [ ديل ] ذيل بعض المواضيع إلا أن هذا المؤلف يبقى خاليا من أي قيمة علمية . 2 - وقعه الطف ، استخراج محمد هادي اليوسفي : - هذا هو عنوان الكتاب الذي استخرجه محمد هادي اليوسفي من تاريخ الطبري تحت عنوان مقتل أبي مخنف والجدير بالذكر أن هذا الكتاب يحظى بقيمة أكثر من الكتاب الذي ذكرناه آنفا . وهو مرفق بمقدمة مفصلة عن حياة أبي مخنف ومقتله والروايات التي استقى مقتله منها ، وكذلك يحتوي على نقد للمقتل المختلق . . . وقد نشر هذا الكتاب عام 1361 ه‍ . ش . ولا يخار تحقيق السيد هادي اليوسفي من بعض المآخذ وفيما يلي نعرض لبعضها .
هامش
( 1 ) النوري - لؤلؤ المرجان ( كانون انتشارات عابدي ) ، ص 156 ، 157 .
( 2 ) الشيخ عباس القمي ، الكنى والألقاب ( انتشارات بيدار ) ج 1 ص 148 .
( 3 ) هدية الأحباب ص 45 . طبع أمير كبير .
( 4 ) تاريخ التراث العربي ، الجزء الثاني ص 128 .