مقتل أبي مخنف :
يعتبر أبو مخنف من المؤرخين والمحققين المجتهدين والمثابرين ، حيث كتب مؤلفات مهمة في شرح ورواية حوادث صدر الإسلام وهو من أفضل مؤرخي عاشوراء الحسين ( ع ) ، إذ لم يال جهدا في تدوين أحداث كربلاء ، وفي البحث الواسع ولقاء الحاضرين في تلك الواقعة بكربلاء أو الأشخاص الذين كان لهم علم بما جرى فيها ، ويمكن القول أنه ترك لنا المعلومات الأولى والروايات الموثوقة والمعتمدة . ولا نعدو الحقيقة إذا ما قلنا أن حفظ وبقاء الجانب الأكبر من واقعة كربلاء يرجع إلى جهوده في هذا المضمار . يذكر ابن النديم في الفهرست ( ص 106 ) ما يلي : قرأت مخطوطا عن أحمد بن حارث مكتوب فيه عن قول العلماء « إن أبا مخنف قد فاق الآخرين في أمور العراق وتاريخه وفتوحاته » ( 1 ) وفي هذا الأمر ، وضمن مساعيه لتدوين تاريخ الإسلام ، فإنه قد ألف أربعين كتابا إضافة إلى مقتل الحسين ، ومع الأسف لم يبق من هذه المؤلفات إلا الأسماء والذكر . وكان نصيب النص الأصلي لمقتل الحسين ، مصير مشابه لبقية الآثار والمؤلفات فليس ثمة وجود له اليوم . ومن المحتمل أن هذا المتن ظل موجودا حتى حدود القرن الرابع الهجري ، لأنه يبدو أن الطبري كان ينقل عنه دون واسطة . وأما ما ينسب إلى أبي مخنف تحت عنوان ( مقتل الحسين ) ( 2 ) الذي طبع عدة مرات في العراق وإيران والهند ، فمن اليقين أنه ليس له ، وأفضل دليل على زيف هذه النسبة ( نسبة الكتاب إلى أبي مخنف ) - هو هذه المواضيع الواهية والروايات الكاذبة ، ونحن نجل أبا مخنف - بمقامه الشامخ - عن كتابة مثل هذه السفاسف . وليس واضحا بداية ظهور هذا الأثر الزائف ، ولكن يمكن حدس هذا التاريخ من خلال بعض القرائن التي ترجح كون هذا الكتاب من منتجات الدورة الصفوية . وعلى أي حال نشير إلى بعض الأدلة والشواهد التي تظهر بكل [ حلاء ] جلاء ووضوح زيف هذا الكتاب وفيما يلي بعض منها : 1 - أشرنا آنفا إلى احتمال حيازة الطبري على النسخة الأصلية لمقتل أبي مخنف ، وقد نقل الجزء الأعظم لتاريخ كربلاء عن هذا المقتل ، ولكن مقابلة هذا المقتل مع تاريخ الطبري تظهر بكل صراحة عدم انسجام الاثنين فيما يوردان ، وقد وصلنا إلى نتيجة - بعد تحقيق وتمحيص - مفادها أن لا شبه يذكر بين مقتل أبي مخنف وما ينقله الطبري ، اللهم إلا في بعض الموارد المختصرة والمحدودة . 2 - كون الكتاب مفعما بالأغلاط الفاحشة والمواضيع الواهنة ، التي لا تليق من قريب ولا من بعيد بحقيقة أبي مخنف العلمية . وقدرته التاريخية وفيما يلي نشير إلى بعض هذه المواضيع : - ألف : أول موضوع في الكتاب المذكور هو : « قال أبو مخنف : حدثنا أبو المنذر هشام ، عن محمد بن سائب الكلبي . . . » . وزيف هذا السند واضح جلي ، لأن هشام هو تلميذ لأبي مخنف . ب - يقول في صفحة 12 : « وروى الكليني في حديث . . . » وبطلان هذا الحديث أوضح من الشمس ، لأن الكليني ولد بعد وفاة أبي مخنف بما يقارب المائة سنة . ج - يقول في صفحة 24 « ذكر عمار في حديثه . . . » استشهد عمار في حرب صفين في سنة 37 للهجرة ، ولم يكن موجودا عام ستين . د - يقول في صفحة 48 : « فحمل هاني ، فضرب فيهم يمينا وشمالا . . . وقتل منهم خمسة وعشرين ملعونا » ترى كيف تأتي لهاني قتل خمسة وعشرين شخصا وهو أسير في يد ابن زياد ومحاط بعشرات الجلاوزة والجلادين ، وإضافة إلى ذلك فليس ثمة مؤرخ موثوق يذكر مثل هذا الموضوع . ه - يقول في صفحة 104 : وبعد أن قتل العباس وحبيب بن مظاهر ، حزن الإمام الحسين ( ع ) واغتم غما شديدا ، فعزاه زهير بن القين وهدأ من روعه . و - يقول في صفحة 113 : « قتل الطرماح بن عدي بعد أن جندل سبعين بطلا من جيش عمر بن سعد » ، بينما ينقل الطبري عن أبي مخنف أن الطرماح لم يكن موجودا في كربلاء ، ومن ثم فهو لم يقتل ( 3 ) ز - يذكر في صفحة 196 اسم « سهل بن سعيد الشهروزي » بدلا عن « سهل بن سعد الساعدي » . ويذكر الطبري أن روايات أبي مخنف مسندة ، ويذكر فيها سلسلة الرواة ، بينما لا نرى في هذا المقتل المختلق إلا الروايات المرسلة ، باستثناء عدد قليل منها . وهناك عشرات الإشكالات والمآخذ الأخرى التي لا يمكن أن تنسب ، بوجه من الوجوه ، إلى أبي مخنف . 3 - يقول في صفحة 7 : « خاطب الإمام الحسين جمعا من أهل الكوفة بشأن صلح أخيه الإمام الحسن قائلا : اقسم بالله أني كنت تواقا إلى الموت حتى جاءني أخي الحسن وأقسم علي ألا أقدم على أمر ولا أحرض أحدا ، فأطعته وكأني أرى أحدهم يجدع أنفي بسكين أو ينشر بدني بمنشار ، ومن ثم فقد أطعته رغم أنفي » . واضح أن هذا الموضوع لا ينسجم مع الأصول الثابتة ، ولو كان هذا الموضوع من نتاجات قلم أبي مخنف ، لما اكتفى علماء الرجال الشيعة بعدم توثيقه بل لعدوا ذلك إلى تضعيفه ، في حين أنا نراهم قد وثقوه جميعا . 4 - صرح كبار العلماء والمحققين أن هذا المقتل مختلق ولا يمت إلى أبي مخنف بصلة . وفي هذا المجال يقول الحاج الميرزا حسين النوري ( صاحب مستدرك الوسائل ) ما مضمونه : « أبو مخنف لوط بن يحيى ، من كبار المحدثين ، ومعتمد لدى أرباب السيرة والتاريخ . ومقتله في منتهى