تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
له . ثم أتبعهم بثلاثة آلاف جندي ألحقهم بهم لمساعدتهم . وحارب « لطف علي خان » بعصابته القليلة جيش « آغا محمد خان » الجرار في بضع معارك بذل فيها جهودا خارقة ، ولكنها انتهت بهزيمته إذ فترت نفوس رجاله وانحطت معنوياتهم بسبب ما رأوه من تقدم « آغا محمد خان » تقدما مطردا ، فعاد أدراجه مرة ثانية إلى « طبس » إلى « الأمير حسن خان » الشيباني . وكان هذا يدرك ، بما له من تجربة وحنكة أن أمر « لطف علي خان » ، وهو على هذا الوضع ، مدبر ، وأن الإقبال مع « آغا محمد خان » في كل مكان . وأراد السلامة لنفسه وتجنب الوقوع في الشر فقال ل « لطف علي خان » : خير لك أن تستنجد بمن هو أقوى مني . وأقوى رجال اليوم هو « تيمور شاه » ( 1 ) ملك أفغانستان . فهو أقدر على إنجادك مني ومن غيري فاقتنع « لطف علي خان » بكلامه وسار إلى « قندهار » . فلما بلغ إلى « قاين » وصله نبا وفاة « تيمور شاه » فانصرف عن المضي إلى أفغانستان ومكث في « قاين » . وفيما هو هناك متحير متردد لا يدري ما يفعل ولا إلى أين يذهب وصلته رسالة من « جهانكير خان » حاكم « بم » ( ولاية كرمان ) ورسالة من « محمد خان أفغان » حاكم « نرماشير » ( ولاية كرمان ) أن أقدم إلينا وسنبذل لك الأرواح والأموال . وكان لهذين الخانين وسائر خانات كرمان ثار عند « آغا محمد خان » . فقبل « لطف علي خان » ، وهو في حيرته وتيهه ، طلبهما وسار بمن معه من رجال إلى « نرماشير » و « بم » . فاستقبله ذانك الخانان بالإكرام والإعظام ، ووضع كل منهما كتيبة من خمسمائة فارس في أمرته وسارا معه بهم إلى مدينة كرمان ، ففتحها سنة 1208 ه‍ . وفي اليوم الثاني من فتحها نودي به شاها وخطب باسمه وضرب النقد باسمه . وكان « آغا محمد خان » عازما على السير إلى خراسان في تلك السنة فلما بلغه دخول « لطف علي خان » إلى كرمان عدل عن عزمه ، وأرسل « بابا خان » ( فتح علي شاه ) مع خمسة آلاف فارس إلى كرمان . وفي الرابع من شوال من تلك السنة لحق بهما إليها فوصلها في السادس عشر من ذي القعدة . وقيل إن جيشه ذاك بلغ يومئذ ستين ألفا . وخرج « لطف علي خان » من المدينة بثلاثمائة محارب ، ليبارز ذلك الجيش الجرار . واشتبك الفريقان بحرب انتصر فيها ، في أول الأمر ، « لطف علي خان » . ولكن انتصاره لم يطل ، مع كل ما بذله من جهود ومحاولات خارقة ، فانهزم وعاد إلى المدينة فتحصن فيها ، وضرب « آغا محمد خان » عليها حصارا دام أربعة أشهر وبعض الشهر ، من السابع عشر من ذي القعدة سنة 1208 هإلى غرة ربيع الثاني سنة 1209 ه‍ . حتى عمت المجاعة والغلاء فاضطرت المدينة إلى التسليم . وتمكن « لطف علي خان » من الفرار بما قام به من عجائب التفنن في القتال وتجنب الوقوع في الأسر وما بدا منه من ثبات وصبر حتى نجا من القتل وسلم من الأسر وفر إلى « بم » . وظن « آغا محمد خان » أن « لطف علي خان » لا بد أن يكون ، بعد احتلال المدينة ، قد قتل أو أسر . فلما علم أنه قد استطاع الفرار واختراق عسكره الجرار الذي كان يطوق المدينة استبد به الغضب وأراد بأهالي المدينة ما كان يريده « جنكيز » و « تيمور » بأهالي البلاد المفتوحة . فأمر بقتل الكرمانيين قتلا عاما وأباحها لجنده يفعلون بها ما شاؤوا ، فعاملوا الأهالي المغلوبين العاجزين معاملة بلغت منتهى الفظاعة والقسوة . لقد جمع « آغا محمد خان قاجار » حين علم في اليوم الثاني من فتح المدينة بفرار « لطف علي خان » حوالي ثمانية آلاف ، وفي رواية عشرين ألفا ، من طفل وامرأة من أهلها ، ووهبهم أرقاء لجنده . وجميع رجالها أوقع بهم القتل أو الاعماء . وقد قدر عدد الذين أعماهم بسبعة آلاف رجل ، وفي رواية سبعين ألفا . وقدر عدد القتلى بمثل ذلك . ومن سلم من هذا البلاء لم يسلم لأن أحدا رحمه من الجند الفاتح ولا لأنه استطاع الفرار ، بل سلم لأن أيدي الجلادين كلت وأصبحت غير قادرة على الاستمرار في العمل لكثرة ما قتلت وما أعمت . كان يأمر رجاله بان يحضر كل واحد منهم عددا معينا من العيون المقتلعة . وينبههم إلى أن من أنقص هذا المقدار عددا واحدا اقتلعت عيناه عوضا عنه . وكان يأمر جنده بهتك الأعراض ثم قتل من يعتدون عليها من النساء . ويمكن القول إن جميع ذكور المدينة تقريبا أصبحوا قتلى أو عميانا وجميع نسائها قتلى أو إماء . وأراد ، بعد اعتقال « لطف علي خان » في « بم » ، أن يقيم نصبا تذكاريا في المكان الذي اعتقل فيه . وكان لا يزال مقيما في كرمان . فأمر بضرب أعناق ستمائة أسير ممن كانوا في يده ، وأمر ثلاثمائة أسير آخرين بحمل رؤوسهم إلى « بم » ، وليقام منها هرم حيث اعتقل « لطف علي خان » . ثم أمر بقتل هؤلاء الأسرى الثلاثمائة بعد ذلك . وقد أقيم ذلك الهرم كما أمر . وكان هذا الهرم إلى سنة 1225 هالموافقة سنة 1810 م لا يزال قائما ورآه الرحالة الانكليزي « السير هنري بوتينجر » في تلك السنة . اجتاز « لطف علي خان » و « جهانكير خان » خندق مدينة كرمان بعد تسليمها هاربين إلى « بم » . وأضاع « جهانكير » طريقه وانفصل عن « لطف علي خان » وتاه في طريق غير طريق « بم » . وانطلق « لطف علي خان » إلى « بم » فوصلها بعد نهار وليلة قطع فيهما مسافة 240 كيلو مترا . ووصلها « جهانكير خان » بعد ثلاثة أيام . وساعة وصول « لطف علي خان » إلى « بم » سأله إخوة « جهانكير خان » عن أخيهم فأجاب بأنه تخلف عنه حين أصبحا خارج المدينة ، وطمانهم بأنه سيصل إليهم سريعا . ومرت ثلاثة أيام في انتظاره فلم يحضر . فأيقنوا بأنه قد أسر . فارتأوا أن يسترضوا « آغا محمد خان » بتسليم « لطف علي خان » إليه لعله يكافئهم بالعفو عن أخيهم . وعزموا على ذلك . فعمدوا إلى جواد « لطف علي خان » المسمى « غران » ( أي : الزائر ) فعقروه ، وطعنوا « لطف علي خان » في يده ورجله وأوثقوه بالزنجير . وانتزع مقدمهم « محمد علي خان » من عضده ثلاث ماسات كانت معقودة عليه ، وهي من بقايا الجواهر التي حملها « نادر شاه أفشار » من الهند ثم وقعت في يد « كريم زند » وانتقلت منه إلى « لطف علي شاه » وتسمى بأسماء « درياي نور » ( بحر النور ) و « تاج ماه » ( تاج القمر ) و « أكبر شاهي » . انتزعها وأرسلها مع أخيه « حيدر خان » إلى كرمان ، إلى « آغا محمد خان » . ثم أركبوا « لطف علي خان » على جمل وأرسلوه ، وهو على هذه الحال المزرية ، إلى كرمان مع أحدهم « حيدر خان » وثلاثة رجال من السيستانيين . والتقى بهم « جهانكير خان » في قرية « دارزين » على بعد ستة فراسخ من « بم » ، فلم يعجبه عمل إخوته ، ولكنه لم يفعل شيئا وسكت عن الموضوع . وأما « آغا محمد خان » فإنه لما عرف باعتقال « لطف علي خان » أرسل