تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
لاخضاع حاكم « كله دار » وبعض شيوخ العرب من سكان « بندر عسلويه » وغيره فقام بالمهمة وتم له النصر . وبلغه نبا مقتل أبيه وهو في نواحي « كله دار » . فبادر يريد العودة فورا إلى شيراز ليخلف أباه على العرش . ولكن « صيد مراد خان زند » والي فارس كان قد نصب نفسه خليفة للشاه القتيل . ثم دبر مؤامرة يثبت بها منصبه ، فاستطاع أن يستميل إليه رؤساء عسكر « لطف علي خان » . فأراد هؤلاء اعتقال « لطف علي خان » وهو في « كله دار » وتسليمه إلى « صيد مراد خان » ، وكادوا ينجحون في خطتهم . ولكن ما كان أروع ما أبدت فطرة « لطف علي خان » من مهارة وجرأة وسرعة خاطر إذ بادر إلى الإصطبل فاعتلى صهوة جواد بلا سرج ولا لجام وطار به إلى « بوشهر » ونجا من هذه التهلكة . وفي مدة قليلة لا تتجاوز شهرين أو ثلاثة كان قد استطاع تجهيز جيش من « بوشهر » وأطرافها ، وسار به إلى شيراز . فلما علم « صيد مراد خان » بمسير « لطف علي خان » إليه جهز جيشا وعهد بقيادته إلى أخيه « شاه مراد خان » وأرسله إلى ملاقاته لرده عن شيراز . ولكن رؤساء هذا الجيش اتفقوا فيما بينهم على خذل قائدهم هذا فاعتقلوه في « دالكي » وقيدوا رجليه وغلوا يديه بالزنجير وحملوه ، وهو على هذه الحال ، إلى « لطف علي خان » ، وكان في « برازجان » الواقعة بين شيراز و « بوشهر » وسلموه إليه ، فقتله في الحال . وانضم جنده عن طيب خاطر إلى جيش « لطف علي خان » . ثم تابع سيره إلى شيراز . وقبل أن يصلها كان أعيان إقليم فارس ورؤساء الزنديين قد قرروا التخلص من « صيد مراد خان » لأنه حصل على العرش اغتصابا فثاروا عليه ، وحاصروه في القلعة وأبقوه سجينا فيها . ثم أرسلوا إلى الأمير الشاب « لطف علي خان » رسالة شرحوا له فيها واقع الحال فوصلته وهو في « كازرون » ، فخف منها مسرعا إلى شيراز ودخلها في 12 شعبان سنة 1203 ه‍ . فاستقبله الأهالي استقبالا حافلا تعالت فيه أصواتهم بالتحايا والصلوات . وبعد يومين ، في 14 شعبان ، احتل القلعة وقتل « صيد مراد خان » وأقاربه . ومن كان منهم أقل ذنبا اكتفى باعمائه . وإذ كان « الحاج إبراهيم كلانتر » ( 1 ) الشيرازي قد قام بخدمات كبيرة من أجل انتصار « لطف علي خان » فقد كافأه هذا بنصبه وزيرا له . اعتلى « لطف علي خان » العرش الزندي وهو في الثالثة والعشرين من عمره ، يتجلى في عنفوان الزهو والشباب . وقد أمضى حياته على صهوة الجواد وفي ميدان الحرب . ويعد من أجمل وأشجع وأشقى شاهات إيران . هذا الشاه الشاب لم يسترح لحظة واحدة من سنة 1203 ه‍ ، وهي بداية حكمه ، إلى سنة 1209 ه‍ ، وهي سنة انطفاء حياته . وانتهى أمره إلى أن غدر به رجال من حلفائه فوقع في قبضة الخان السفاح « آغا محمد قاجار » . وبلغ من الكفاءة والشجاعة بحيث لم يستطع أن يسكت عن تمجيده أعدى أعدائه « آغا محمد خان قاجار » هذا . وذلك أن ابن أخيه « بابا خان » القاجاري الذي أصبح فيما بعد « فتح علي شاه » ولد له مرة ، في قصبة « نوا » خمسة أبناء في ظرف تسعة أشهر ، فسماهم « محمد علي ميرزا » و « محمد قلي ميرزا » و « محمد ولي ميرزا » و « عباس ميرزا » و « حسين علي ميرزا » . وسمع بذلك عمه « آغا محمد خان » فقال : يا ليت أحدهم كان « لطف علي خان » ! كانت عادة المؤرخين الإيرانيين أن يتملقوا الحكم القائم ، لفقدان حربة الكلام وسيطرة الحكام المستبدين ، فهم يسكتون عن ذكر الحقائق مراعاة لهم وخوفا منهم ، ومع ذلك فإنهم وصفوا « لطف علي خان » في عهد حكم أعدائه بأنه « رستم القدرة » و « الهزبر الشجاع » و « أسد غابة البطولة » . بعد أن اطلع « آغا محمد خان قاجار » على أحداث شيراز عزم على فتحها والقضاء على حكم « لطف علي خان » . فجهز جيشا كامل التجهيز وجعل في قيادته اثنين من أشهر رؤساء العسكر القاجاريين ، وسار به إلى ولاية فارس سنة 1203 ه‍ . ولكنه ، مع ذلك ، لم يستطع أن يصنع شيئا . وتبين له أنه لن يتيسر له التغلب على « لطف علي خان » بالحرب . فعدل عنها إلى طريقة أخرى ، كدأبه دائما في مثل هذه الحال ، وهي طريقة الدسيسة والتامر . فقام في السر ، بمفاوضة حاشية « لطف علي خان » ومشاوريه ومكاتبتهم ، ولا سيما وزيره « الحاج إبراهيم » حتى تمكن من استمالتهم إليه ، واتفقوا على خطة انتهت إلى القضاء على « لطف علي خان » . وانصرف « آغا محمد خان » عن شيراز عائدا إلى طهران . ولكنه أبقى في ولاية فارس كتيبة من ثلاثة آلاف جندي جعل في قيادتها « مصطفى خان دولو » ، وهو من أشهر قواده العسكريين ، ليمنع « لطف علي خان » من التقدم نحو أصفهان . وفي سنة 1204 هعاود « آغا محمد خان » عزمه على احتلال فارس والاستيلاء على شيراز ، فسار إليها . فلما علم « لطف علي خان » بذلك ذهب إلى مشايخ البنادر ورؤساء الأقاليم الصحراوية المجاورة يستمدهم فأجابوه وحصل على ما طلبه . ولكن أعيان شيراز وأهل النفوذ فيها ، ورأسهم « الحاج إبراهيم » وزير « لطف علي خان » ، ممن كانوا على صلة سرية ب « آغا محمد خان » ، قاموا في غياب « لطف علي خان » بمراسلة « آغا محمد خان » وأشاروا عليه بتأجيل غزو شيراز إلى وقت آخر لأن الأوضاع غير مؤاتية . فسمع لهم وعاد إلى طهران . وكان نزاع لا ينفك قائما بين « آغا محمد خان » وإخوة له ، وبينهم حروب . ومنهم أخ له اسمه « مرتضى قلي خان » سبق أن خرج عليه ثم انهزم فلجا إلى روسيا . وفي سنة 1205 هعاد من روسيا وهاجم « جيلان » ، وكانت في يد « آغا محمد خان » ، فاحتلها في تلك السنة ، وذهب جيشها المدافع بين قتيل وأسير وجريح وفار . وعلم « لطف علي خان زند » بما يقاسيه « آغا محمد خان » من مثل هذه المشاكل فاغتنمها فرصة ورأى أن الوقت مناسب ليقوم بعمل . فسار بجيش من شيراز قاصدا احتلال أصفهان . فلما علم « آغا محمد خان » بتحركه أرسل ابن أخيه ولي عهده « بابا خان » ( الذي أصبح بعد وفاته « فتح علي شاه » ) ، وكان سنه حوالي العشرين ، بجيش من خمسة آلاف فارس وجعل على قيادته أفضل قواده « مصطفى خان دولو قاجار » للدفاع عن أصفهان وذود « لطف علي خان » عنها . وكان النصر في هذه الحرب محققا للطف علي خان لما كان عليه من شجاعة وما اكتسبه في المحاربة وقيادة العسكر من مهارة وتجربة وتفنن . ولكن غفلته عما دبره وزيره « الحاج إبراهيم » الشيرازي من تأمر عليه وما وضعه من خطة للغدر به ، ومواطاته « آغا محمد خان قاجار » في السر عليه ، أوقعه في الخيبة .