كان « عبد الرحيم خان » أخو « الحاج إبراهيم » الأكبر هو المدبر الأول لشؤون عسكر « لطف علي خان » ، وكان أخ له آخر اسمه « محمد علي خان » قائدا لفوج المشاة . وكانا هما وسائر رؤساء العسكر في جيش « لطف علي خان » يأتمرون بأوامر « الحاج إبراهيم » السرية ، متعاهدين على إنفاذها . وفي ساعة معينة ثاروا على « لطف علي خان » وأحدثوا في معسكره شغبا وأطلقوا الرصاص على فسطاطه . فراعته هذه المفاجأة غير المتوقعة . وإذ رأى نفسه معرضا للاعتقال ، بادر إلى امتطاء حصانه ، ومعه بعض رجاله وفر قاصدا شيراز ليحتمي في داخل سورها المحكم ، وهو يحسب أنها لا تزال في يده . ولكن وصله ، وهو ماض في الطريق ، خبر بان « الحاج إبراهيم » قد استولى على شيراز وسجن الخانات الزنديين ، وجرد حاميتها العسكرية من السلاح . ومضى « مصطفى خان » قائد جيش « آغا محمد خان » بأقصى ما يستطيع من سرعة في أثر « لطف علي خان » يتعقبه ليعتقله ، ولكنه عجز عن اللحاق به ، فعاد يائسا إلى معسكره .
وهكذا وجد « لطف علي خان » نفسه مبتلى بسياسيين داهيتين مخططين ، هما « الحاج إبراهيم » الشيرازي من جهة و « آغا محمد خان قاجار » من جهة أخرى . ولم تنفعه شجاعته الفائقة وإقدامه الذي قل نظيره ، إذ كان لا يزال شابا قليل الخبرة بالسياسة . وقد جهد في محاولة الاستيلاء على شيراز فلم يقدر . فاضطر إلى الذهاب إلى الخليج . وعهد « آغا محمد خان قاجار » بنيابة حكومة فارس إلى « الحاج إبراهيم » .
وأراد « الحاج إبراهيم » أن يكون في مأمن من « لطف علي خان » مصانا من تعرضاته فطلب من « مصطفى خان دولو قاجار » قائد الجيش القاجاري ، وكان معسكرا في « آباده » ، أن ينقل كتيبته المؤلفة من ثلاثة آلاف جندي إلى شيراز للمحافظة عليها ، ففعل . وإذ بدا لهم أن هذا المقدار من الجند غير كاف لصد « لطف علي خان » إذا تعرض لهم فقد أشار « الحاج إبراهيم » على « آغا محمد خان » بامدادهم بالخمسة الآلاف فارس الآخرين الذين كانوا بقيادة « جان محمد خان قاجار دولو » ، ففعل .
وأما « لطف علي خان » فإنه تهيأ وأعد نفسه للحرب في مدة قليلة جدا ، وعاد إلى شيراز بمن جمعهم من المحاربين ، وأقدم على محاصرة المدينة مع أنها كانت مجهزة بقوى عظيمة . ونشبت معركة عارمة دامت أسبوعا كاملا . وانتهت بتراجع « لطف علي خان » وجنده ، فانصرف إلى « زرقان » إحدى نواحي الأهواز ، وتحصن فيها .
وكان « الحاج إبراهيم » يرى ، بما له من نظر دقيق ، أن التغلب على « لطف علي خان » بمن عنده من جند وقواد أمر غير ممكن ، وأن لا بد من قدوم « آغا محمد خان » نفسه بجيش أحسن تجهيزا للتغلب عليه . فعمل « آغا محمد خان » برأيه فجهز جيشا سار به إلى فارس في سنة 1206 ه .
وكان « لطف علي خان » على يقين من أنه لن يستطيع أن يصنع شيئا بهذه القلة من رجاله في مقابل هذا العسكر الجرار ، عسكر « آغا محمد خان » . فقرر المغامرة بأخذهم تبييتا لعله يحصل على نتيجة ، وخرج من « زرقان » على هذه النية . وخرج « آغا محمد خان » بجيشه فوصل إلى « أبرج » وعسكر فيها . وهناك بلغه في الخفاء أن « لطف علي خان » تحرك من « زرقان » عازما على تبييته . فبادر إلى إرسال قطعة من جنده بقيادة « إبراهيم خان » الدامغاني أحد رؤساء عسكره ، لتلاقي « لطف علي خان » وتكون مقدمة للجيش القاجاري ، ولبث هو يراقب الحوادث متيقظا حذرا .
فلما التقيا لم يلبث « لطف علي خان » أن بادر « إبراهيم خان » بهجمة صاعقة ، فقتله وقتل جماعة من جنده وأسر جماعة وتشتت الباقون ، مع أن إبراهيم هذا كان معدودا من مشاهير الشجعان المحاربين .
ولما حل الظلام تابع « لطف علي خان » حركته إلى معسكر عدوه ، فلما وصله سار توا إلى فسطاط « آغا محمد خان » فلما اقترب منه وقعت ضجة شديدة في المعسكر وشمله الذعر ، وتراكض الجند رعبا يفرون منه إلى كل الجهات وهم كل منهم أن ينجو بنفسه ، وأوشك « آغا محمد خان » نفسه أن يؤسر ويقتل ويتم الفتح للطف علي خان .
وإذا برجل اسمه « الميرزا فتح الله الأردلاني » ، وكان في معسكر « آغا محمد خان ، وكانت له معرفة سابقة بلطف علي خان » يعدو نحوه ويبشره بالفتح . وقال له أيضا إن « آغا محمد خان » قد فر . وأشار عليه بوقف الحرب والامتناع عن الإغارة على معسكر العدو لأن ذلك يزيد في خسائره .
فصدق « لطف علي خان » ، وهو لا يزال غرا في السياسة ، كلامه وأمر عسكره بوقف الحرب والكف عن الإغارة والقتل إلى الصباح ( 1 ) .
فلما أصبح الصباح تعالى صوت الأذان من معسكر « آغا محمد خان » فتبين أن قصة فراره كانت كذبا ، وأنه لا يزال مقيما في مكانه ، وظهر ل « لطف علي خان » ما أوقع نفسه فيه من خبط وخطا ، ففر متجها إلى كرمان ، فلا أقل من أن تبقى في يده هذه المدينة ! ولكن حاكم كرمان « الميرزا أبو الحسن خان » ( 1 ) منعه من دخولها .
ومع ما بذله من جهد كبير للتمكن من دخولها فإنه ارتد عنها خائبا ، واضطر إلى الذهاب إلى قصبة « راور » مركز ناحية « راور » من محافظة كرمان .
فنازله حاكم تلك الناحية ، « الميرزا محمد خان الراوري » ليمنعه من دخولها ، ويكون ذلك له يدا عند القاجاريين . ووقع بينهما نزاع عسكري انتهى باضطرار « لطف علي خان » إلى التراجع ، والانصراف عنها من طريق « صحراء لوط » إلى مدينة « طبس » الواقعة في إقليم خراسان شمالي كرمان .
فاستقبله حاكمها « الأمير حسن خان » ( 1 ) استقبالا طيبا وبقي ضيفا عليه مدة شهرين بلغ في إكرامه فيها غاية الإكرام ، ثم اختار من رجاله ثلاثمائة فارس وضعهم في تصرفه .
ومع قلة هذا العدد من المحاربين فان « لطف علي خان » لم ينصرف عن محاربة « آغا محمد خان » ومعاودة الكفاح لاسترداد ما فقده من سلطان وتاج وسرير ، فتوجه سائرا إلى يزد وفارس . وفي يزد تلقاه بالحرب « علي نقي خان بافقي » ، وكان جنده عشرة أضعاف جند « لطف علي خان » . ومع ذلك أوقع « لطف علي خان » فيه هزيمة شديدة ، واضطره إلى الفرار والتحصن في قلعة المدينة . ثم بادر « لطف علي خان » ، لا يبطئ ، إلى المضي نحو شيراز لاحتلالها . وعلم « الحاج إبراهيم خان » والي إيالة فارس من قبل « آغا محمد خان » بمسير « لطف علي خان » هذا فاهمه هما شديدا .
فأرسل إلى « آغا محمد خان » تقريرا أوضح له فيه ما يلزم من أمور وأطلعه على مجرى الحوادث ، وطلب منه المدد . فجهز « آغا محمد خان » ثمانية آلاف فارس وجعل على قيادتهم ابن خالته رئيس الحرس « حسين خان قوانلو » المعروف بلقب « دوداغ » ، أي « الشفة » ( 1 ) ، وأرسلهم إلى شيراز مددا
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 251
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٥١