ونقصد في هذه المقالة الإشارة باختصار إلى حياة الشيخ لطف الله ، وعلاقاته مع بعض المشاهير من علماء عصره ليتسنى للقارءين الإحاطة بالمامة موجزة عن حياة هذا الشخص الذي اشتهر هذا المسجد العظيم باسمه ، وليقفوا على بعض أوضاع الحوزة العلمية في عصر الشيخ التي عاشت أفضل أدوار حياتها في زمن الدولة الصفوية . في نوروز عام 1941 كنت في أصفهان ، وخلال شرائي لبعض الكتب ، حصلت على مجموعة تحتوي على بعض النسخ الخطية وموضوعها جميعا الحديث والرجال . كانت هذه المجموعة في السابق من ممتلكات الشيخ لطف الله العاملي ، حيث لا يزال أثر خطه وختمه باقيا على ظهر الورقة الأولى . وقد كتب الشيخ فهرستا لهذه المجموعة على ظهر هذه الورقة كالآتي : « هذه مجموعة مشتملة على مناسك الحج وجزء من رسالة الحساب للشيخ بهاء الدين محمد سلمه الله وأربعين حديثا جمعها الأمير فيض الله ( 1 ) في أحوال العامة ، وحواش على بعض المتون الفقهية للملا عبد الله التستري ، وكتبت أنا على أوائلها حواشي وأنا الفقير إلى الله لطف الله العاملي الميسي ، ورسالة في العمل بخبر الآحاد وكتاب شرح الدراية للشهيد الثاني وحواشي للشيخ بهاء الدين محمد سلمه الله تعالى على الاثني عشرية للشيخ حسن ( 2 ) قدس سره . وأجزاء من اختيار الرجال ( كذا ) للملا عناية الله كوهپايه اي ( 3 ) والجزء الأول من كتاب الكشي في الرجال والجزء الثاني منه أيضا في معرفة الرجال والثالث والرابع والخامس منه أيضا « . وفي ذيل هذه العبارات ، بعد اسم كتاب ملا عبد الله الشوشتري ، هناك ختمان ، من المسلم به أنهما بخط الشيخ لطف الله العاملي ، وهما عبارة عن هذه الكلمات : « ثقتي بلطف الله تقيني » . وموضوع رسالة ملا عبد الله الشوشتري هذه ، كما يتضح من المقدمة ، هو حواش وتعليقات لهذا المؤلف على الرسالة الاثني عشرية في الصلاة ، تأليف الشيخ جمال الدين الحسن بن زين الدين العاملي ( 959 - 1011 ) ابن الشهيد الثاني وهو صاحب كتاب المعالم . وقد دون الكاتب العبارات التالية في آخر هذه الرسالة : « كتب هذه الرسالة الفقير إلى الله الغني حسن بن آل براق الحسني في بلدة أصفهان للأخ والمؤاخي لوجه الله الطيب الطاهر الفاضل العالم العامل التقي النقي الرضي المرضي شيخ الإسلام والمسلمين شيخ لطف الله العاملي عامله الله بلطفه وزاد في شرفه في أواخر شهر ربيع الأول سنة ألف واثني عشر من الهجرة النبوية على مشرفها السلام والتحية » . يتضح من هذه العبارة ، أن رسالة الملا عبد الله الشوشتري هذه ، قد دونها كاتب بعينه في أصفهان للشيخ لطف الله ، في تاريخ أواخر ربيع الأول عام 1012 . ويبدو جليا أن هذه المجموعة المذكورة أعلاه ، والتي هي في حوزة كاتب هذه السطور في الوقت الراهن ، كانت عائدة في يوم ما للشيخ لطف الله العاملي ، الامام والمدرس المعروف في عهد الملك عباس ، والله وحده يعلم كم يد تداولتها بعد وفاته عام 1032 حتى الآن وكم يد سوف تتداولها فيما بعد . يوجد ضمن هذه المجموعة - كما يظهر الفهرست الذي وضعه الشيخ لطف الله - رسالتان ، من تأليف شخصين من كبار العلماء المعاصرين للشيخ لطف الله ، واحدة من تأليف الشيخ بهاء الدين محمد العاملي أي الشيخ البهائي المعروف ( 953 - 1030 ) ، حيث يذكر الشيخ اسمه في هذا الفهرست مع الجملة الدعائية « سلمه الله » ، والأخرى من تأليف الملا عبد الله بن حسين الشوشتري ( المتوفى عام 1021 ) وهو من العلماء الزاهدين العابدين في عصر الملك عباس الكبير ، ومن مشايخ ملا محمد تقي المجلسي الأول ومير مصطفى التفرشي مؤلف كتاب نقد الرجال . على الرغم من أن الشيخ لطف الله قد اكتفى في فهرسته بذكر اسم ملا عبد الله الشوشتري مجردا ، وقد عرض آراء مخالفة لآرائه الفقهية في الحواشي والتعليقات ، إلا أنه لم يخرج عن حد الأدب وأشار إلى اسمه بالجملة الدعائية « دام ظله » . تظهر التواريخ أن العلاقة بين الشيخ البهائي والشيخ لطف الله ، كانت غاية في الصفاء والمودة ، وكان الشيخ البهائي يعتقد بعلم الشيخ لطف الله ، ويحث الناس على الرجوع إليه في المسائل الفقهية ( 4 ) إضافة إلى كون الشيخ البهائي من المشايخ الذين منحوا الإجازة للشيخ لطف الله وقد أجازه رسميا في جمادى الأولى عام 1032 لرواية قسم كبير من مؤلفاته بخطه . ( 5 ) ولكن يبدو أن العلاقة بين الشيخ لطف الله ومعاصره الآخر الملا عبد الله الشوشتري لم تكن على ما يرام ، إذ كان ثمة خلاف في المسائل العلمية بينهما . وقد كتب صاحب ( عالم آراي عباسي ) ونقل عنه مؤلفا رياض العلماء ومستدرك الوسائل قوله : كانت بين الشيخ لطف الله العاملي ومير محمد باقر الداماد ( المتوفى سنة 1040 ) من جهة والملا عبد الله الشوشتري من جهة أخرى مناقشات دائمة في الأمور العلمية والاجتماعية ، وظلت الأمور بينهم على حالها حتى آخر عمر ملا عبد الله . حتى كان يوم السبت 25 محرم عام 1021 حين كان الملا عبد الله على فراش الموت ، عاده المير داماد والشيخ لطف الله ، فقبل الملا عبد الله رأسي وعنقي خصميا العلميين وعاملهما بفرح وسرور ثم فارق الحياة في صبح اليوم التالي . تشير الأدلة المتوفرة لدينا ، أنه غالبا ما كانت المناقشة بين ملا عبد الله والشيخ لطف الله تقترن بالأدب والاحترام ، بينما لم تكن تقترن بذلك في
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 247
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٤٧
هامش
( 1 ) المقصود بالأمير فيض الله ، هو العالم الشهير في الفقه والأصول السيد الأمير فيض الله بن عبد القاهر الحسيني التفرشي ، وقد كان من تلامذة الملا أحمد الأردبيلي ، وقد توفي في مشهد في رمضان عام 1025 ودفن فيها ، وترك وراءه بعض المؤلفات .
( 2 ) المقصود هو الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن العاملي ابن الشيخ زين الدين الشهيد الثاني الذي أشير إلى حياته في بعض هذه المقالة .
( 3 ) ملا عناية الله بن شرف الدين على الكوه پايه ي الأصفهاني ، من علماء الرجال ومن تلامذة الشيخ البهائي والمحقق الأردبيلي والملا عبد الله الشوشتري ومن العلماء المشهورين في عهد الملك عباس الكبير ( 996 - 1038 ) ، وقد أتم كتاب اختيار رجال الكشي في أصفهان ، في محرم من عام 1011 ، وله كتاب آخر في ترتيب كتاب الرجال للنجاشي .
( 4 ) روضات الجنات ص 519 ، ورياض العلماء القسم الأول ، المجلد الثالث ( نسخة خطية ) في أحوال الشيخ لطف الله وأمل الآمل ، القسم الأول ( خطي ) .
( 5 ) بحار الأنوار ( كتاب الإجازات ) ج 26 ، ص 130 - 131 ، وكتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 1 ، ص 238 .