نصيبا « ، فوصلت رسالتها إلى الملا حسين أثناء وجوده في شيراز فقدم الرسالة إلى الباب ، فادخل الباب اسمها في عداد » حروف الحي « وكتب توقيعا بذلك . ولما جاء الملا علي البسطامي إلى العراق موفدا من الباب اتصلت قرة العين به واستفهمت منه عن تفاصيل الدعوة مما جعلها تزداد إيمانا بها ( 1 ) . المرحلة الأولى : تشير القرائن إلى أن الدعوة البابية أخذت تكتسب الاتباع في كربلاء تدريجا ، وكانوا كلهم من الشيخيين ، غير أنهم كانوا يلتزمون التقية والتكتم ولا يعلنون عن مذهبهم الجديد أمام الناس ، ولم يكن من المسموح لهم في أول الأمر أن يذكروا اسم الباب أو يعينوا شخصه بل كانوا يتحدثون عنه بطريق الرمز والإشارة ، وكثيرا ما كانوا يطلقون عليه اسم « الذكر » عند الحديث عنه . والظاهر أن قرة العين حين اعتنقت الدعوة البابية كانت كغيرها من اتباع الدعوة تلتزم التقية ، ولكنها أخذت تنشط في الاتصال بالناس لتمهيد الأذهان نحو قبول الدعوة الجديدة . قيل إنها كانت في تلك المرحلة من حياتها تلقي الدروس الدينية في منزلها ويجتمع إليها عدد كبير من الطلبة والمستمعين ، فكانت تجلس في غرفة صغيرة وراء باب عليه ستار ، ويجتمع الطلبة والمستمعون في غرفة أخرى واسعة ، وهي تتحدث إليهم من وراء الستار . كانت قرة العين تملك صوتا جهوريا ومقدرة كبيرة على الكلام والجدال ، فأحدثت في المجتمع الكربلائي هزة عنيفة وأصبح اسمها على كل لسان ، وصار الناس نساء ورجالا يتناقشون ويتجادلون في الأفكار الجديدة التي كانت تطرحها قرة العين في دروسها المنزلية . وفي شهر آب من عام 1846 م انتقلت قرة العين مع حاشيتها إلى الكاظمية ، ويقال في سبب هذا الانتقال أن خلافا حدث بينها وبين كبير الشيخيين الميرزا محمد حسن جوهر فقررت الابتعاد عنه والذهاب إلى بلدة أخرى تستطيع أن تنفرد فيها من غير معارض تخشى بأسه . استقبلت قرة العين في الكاظمية استقبالا حافلا وكان على رأس المحتفين بها أولاد السيد عبد الله شبر ، فنزلت أول الأمر في ضيافتهم ، ثم تحولت بعدئذ إلى دار السيد صادق الكشفي وهو من خدمة الجوادين وكانت داره معدة لنزول الزوار الشيخيين فيها . وأخذت قرة العين تلقي الدروس في الكاظمية على منوال ما كانت تفعل في كربلاء ، وزادت على ذلك فصارت تصعد المنبر أحيانا فتذهل السامعين بقوة حجتها وحسن القائها . وذاع صيتها في بغداد فاخذ الكثير من سكانها ، من الشيعة وغيرهم ، يفدون إلى الكاظمية لسماع دروسها ومحاضراتها . روى لي أحد المسنين من أهل الكاظمية نقلا عمن شهد قرة العين أثناء مكوثها في الكاظمية فقال إن الكثير من الناس حضروا حلقات درسها وصلوا وراءها ، وكانوا إذا استمعوا إليها وهي تتكلم يكادون يذهلون عن أنفسهم من شدة تاثرهم بها . يبدو أن قرة العين لم تكن متزمتة في حجابها على النمط الشديد الذي اعتادت عليه نساء عصرها ، وهي ربما كانت تلتزم بالسفور الذي تبيحه الشريعة الإسلامية وهو إظهار صفحة الوجه والكفين من غير زينة ، فكانت تجالس الذين تثق بهم من أصحابها وتحادثهم وهي مكشوفة الوجه ، غير أن هذا النوع من السفور لم يكن يستسيغه الناس في تلك الأيام فاثار ضجة لدى العامة ورجال الدين وأخذوا يتقولون عليها ويلصقون بها التهم الشنعاء . كان الناس في تلك الأيام قد اعتادوا أن يربطوا بين عفة المرأة وشدة حجابها ، فكلما كانت المرأة أشد حجابا كانت في نظرهم أعظم عفة وأكمل خلقا . ولهذا أخذ خصوم قرة العين يتهمونها بالتحلل الخلقي ، ولا تزال هذه التهمة لاصقة بها حتى اليوم . سالت ذات مرة أحد المسنين من أهالي الكاظمية عما يعرف عنها ، ولم يكد الرجل يسمع سؤالي حتى فاجاني بقوله إنها كانت « كذا وكذا » مما لا يستحسن ذكره . وليس هذا الجواب بالأمر المستغرب من رجل عاش في بيئة الحجاب الشديد وآمن به إيمانا مطلقا . يقول صاحب كتاب « الكواكب الدرية » : أن سفور قرة العين تلقاء صحبها وتلاميذها أثار خلافا بين رجال الدين وقام بينهم الجدال والشقاق على قدم وساق ، وعند ما سألوا التلاميذ عن ذلك أجابوا بان الوجه والكفين لم تكن عورة في نظر الدين الإسلامي وجاؤا بدليل الحج حيث أن أزواج النبي لم يسترن الوجه والكفين رغم الازدحام العظيم أثناء موسم الحج ، ولكن هذا الجواب المؤيد بالشواهد لم ينه المشكلة بل استشرى الخلاف والجدال بين الناس ( 2 ) . المرحلة الثانية : مكثت قرة العين في الكاظمية زهاء ستة أشهر ، ثم عادت إلى كربلاء في شهر شباط من عام 1847 م بمناسبة زيارة الأربعين التي حلت في الثامن من ذلك الشهر . وبعودتها إلى كربلاء دخلت مرحلة جديدة من حياتها ، ونكتفي من كلام الدكتور الوردي عن سيرتها بهذا المقدار ونختم قوله بما قاله عن رأيه بها . إني أعتقد على أي حال أن قرة العين امرأة لا تخلو من عبقرية وهي قد ظهرت في غير زمانها أو هي سبقت زمانها بمائة سنة على أقل تقدير ، فهي لو كانت قد نشات في عصرنا هذا وفي مجتمع متقدم حضاريا لكان لها شان آخر وربما كانت أعظم امرأة في القرن العشرين ( انتهى ) .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 242
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٤٢
ويقول محمود شكري الآلوسي كما نقلت ذلك جريدة المنار اليومية الصادرة في 21 / 4 / 1967 في الصفحة السادسة : إني رأيت لديها من الفضل ما لم أره في كثير من الرجال وهي ذات عقل وأدب وفريدة حيازة وصيانة وقد لقبها السيد كاظم الرشتي ب ( قرة العين ) ولم أرها ترفع التكاليف - أي الفرائض الدينية كما يتهمها أعداؤها - مع أنها بقيت في بيتي نحو شهرين . ( انتهى ) .
ويقول الآلوسي أيضا في ( مختصر التحفة الاثني عشرية ) ص 24 :
فقيل إنها كانت تقول بحل الفروج ورفع التكاليف بالكلية ، وأنا لم أحس منها بشيء من ذلك مع أنها حبست في بيتي شهرين وكم من بحث جرى بيني وبينها رفعت فيه التقية من البين . . ( انتهى ) .
هامش
( 1 ) عبد الحسين آواره ( الكواكب الدرية ) ترجمة أحمد فائق رشد - القاهرة 1924 - ج 1 ص 110 - 111 .
( 2 ) المصدر السابق - ص 189 .