تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وينسب إلى « قرة العين » هذان البيتان من الشعر وترجمتهما :
أنت والملك والجاه الإسكندري وأنا والرسم والمذهب القلندري « 1 » فان يكن ذاك خيرا فأنت له أهل وإن يكن هذا شرا فانا له أهل

قرة العين

- 2 - قال الدكتور علي الوردي : شغل المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة من ولاية نجيب باشا بحديث امرأة عجيبة تدعى « قرة العين » إذ هي أسفرت عن وجهها ، وارتقت المنبر ، وخطبت وجادلت ، فكان ذلك أول حدث من نوعه في تاريخ العراق ، وربما في تاريخ الشرق كله ، طيلة قرون عديدة . ونحن الآن إذ نريد دراسة تاريخ المجتمع العراقي في تلك الآونة بحسن بنا التعرف إلى شخصية هذه المرأة ومبلغ تأثيرها في العراق ثم في إيران . ولدت هذه المرأة في قزوين عام 1814 م ، وقد سميت ب « زرين تاج » وهو اسم فارسي بمعنى « التاج الذهبي » لأنها كانت ذات شعر أشقر ، وكانت أسرتها من الأسر الدينية المعروفة في قزوين ذات جاه ومكانه تدعى ب « آل البرغاني » ، وقد برز فيها علماء مجتهدون لهم شان كل منهم الملا محمد صالح الذي هو والد قرة العين ، والملا محمد تقي الذي هو أحد أعمامها ، وكان الملا محمد تقي هذا كبير علماء قزوين في ذلك الوقت . تميزت قرة العين بجمالها الفتان وذكائها المفرط ، وقد بدأ نبوغها بالظهور منذ صباها الباكر قيل إنها كانت تحضر دروس أبيها وعمها التي كانت يلقيانها على الطلبة ، فكان يوضع لها ستار لتستمع إلى الدروس من ورائه ، وسرعان ما أخذت تشارك في المجادلات الكلامية والفقهية التي تثار بين رجال أسرتها ، وكثيرا ما كان أبوها يظهر سفه قائلا : « لو كانت ولدا لكانت أضاء بيتي وخلفتني » . وذكر أخوها عبد الوهاب في وصف ذكائها المفرط فقال : اننا جميعا من أخوة وأولاد عم ما كنا نقدر أن نتكلم في حضرتها لأن علمها كان يرعبنا ، وإذا تصادف وتكلمنا عن مسألة فإنها كانت تتكلم عنها بكل وضوح وإتقان على البداهة حتى نعلم أننا أخطانا السبيل ونتركها ونحن متحيرون « . ( 1 ) كان أهل قزوين في ذلك الحين كاهل كربلاء منقسمين إلى فريقين متنازعين : « [ بشت ] پشت سري » و « بالا سري » أي شيخيين وخصوم [ الشيخين ] شيخيين . وكان هذا الانقسام قد سرى إلى بيت قرة العين فكان عمها الكبير الملا محمد تقي من خصوم الشيخيين بينما كان عمها الآخر الملا علي من الشيخيين . وقد نشات قرة العين في هذا الجو الفكري المفعم بالجدل ، ولا شك أنها استطاعت أن تستوعب بذكائها الشيء الكثير من ذلك الجدل وتنتفع به . عندما بلغت قرة العين الرابعة عشرة من عمرها زفت إلى ابن عمها الملا محمد بن الملا محمد تقي ، ولم تمض على ذلك سوى مدة قصيرة حتى قرر الزوج الهجرة إلى العراق لطلب العلم ، فسافر معا إلى كربلاء ونزلا في دار تعود للأسرة في محلة « الخيمگاه » وهي الدار التي لا تزال قائمة يسكنها بعض أسرة البرغاني وقد زارها كاتب هذه السطور منذ عهد قريب . مكث الزوجان في كربلاء ثلاث عشرة سنة تقريبا رزقا فيها بولدين هما إبراهيم وإسماعيل ، والظاهر أن حياتهما [ فيفي ] في كربلاء لم تخل من خصام ومناقرة ، فهي أخذت تميل إلى السيد كاظم الرشتي الذي كان يرأس الشيخيين يوم ذاك ، بينما كان زوجها يميل إلى « البالاسري » . وربما كان الخصام بين الزوجين في بدايته بسيطا ثم صار يشتد ويتعقد مع الأيام . عاد الزوجان إلى قزوين في عام 1841 م ، ورزقا هناك بولد ثالث سمياه « إسحاق » وكانت عودتهما إيذانا باستئناف الخصام والمناقرة بينهما من جديد . فقد أصدر والد زوجها فتوى أعلن فيها تكفين الشيخيين بينهما هي ازدادت من جانبها ولعا بالعقائد الشيخية وتعلقا بالسيد كاظم الرشتي . وشرعت قرة العين تكاتب الرشتي تستفسر منه عن بعض المعاني الغامضة في كتاباته ، ثم قررت أخيرا أن تترك زوجها وأولادها وتهاجر إلى كربلاء لتكون قريبة من الرشتي وتنضم إلى حوزته العلمية . وفي عام 1843 م سافرت قرة العين إلى كربلاء ، وكانت حينئذ في التاسعة والعشرين من عمرها وفي قمة نضوجها ، وحين وصلت إلى كربلاء فوجئت بان الرشتي الذي جاءت من أجله كان قد توفي قبل أيام قليلة فأصيبت بخيبة الأمل وشاركت في ماتمه ( 2 ) . اعتناقها الدعوة البابية : تجمع المصادر البابية والبهائية على أن قرة العين كانت من أوائل الذين اعتنقوا الدعوة البابية حيث أصبحت من « حروف الحي » الثمانية عشر ، وأنها اعتنقت الدعوة يوم كان الباب لا يزال في شيراز يدعو إلى نفسه سرا . وهذا أمر يصعب علينا تصوره إذ كيف استطاعت قرة العين أن تعلم بالدعوة وهي في كربلاء وتقتنع بها دون أن تتصل بالباب أو تعرف عنها شيئا . أوردت المصادر البهائية في هذا الشأن روايتين مختلفتين ، فقد جاء في أحد تلك المصادر وهو كتاب « تذكرة الأوفياء » : أن قرة العين عندما وصلت إلى كربلاء بعد وفاة السيد كاظم الرشتي انقطعت إلى العبادة والتضرع في انتظار الموعود الذي كان الرشتي قد تنبأ يقرب ظهوره ، وفي ذات ليلة رأت في منامها شابا يلبس رداء أسود وعمامة خضراء وهو في السماء رافعا يده بالدعاء ويتلو بعض الآيات ، وبعد حين وصل إليها تفسير من الباب لسورة يوسف فوجدت فيه إحدى الآيات التي سمعت الشاب يتلوها في المنام ، فادى ذلك بها إلى التصديق بدعوة الباب ( 3 ) . أما كتاب « الكواكب الدرية » فيروي القصة بشكل آخر إذ يقول : بينما كان تلاميذ السيد كاظم الرشتي قد انتشروا في البلاد يبحثون عن الموعود انقطعت هي للرياضة والتبتل وهجرت تناول المطبوخات ، وكانت كل أوقاتها مصروفة في الترقب والانتظار . وفي ذات يوم كتبت رسالة إلى الملا حسين البشروئي تقول فيها : « إذا وفقتم للقاء طلعة الموعود فلا تحرموني من موافاتي بذلك النبأ ، ولا تضنوا علي بالسادة ، فان للأرض من كأس الكرام

هامش
( 1 ) محمد زرندي ( مطالع الأنوار ) ترجمة عبد الجليل سعد - القاهرة 1940 - ص 63 - 66 .
( 2 ) إن هذه المعلومات عن قرة العين حصلت عليها من مصادر مختلفة ، وقد استفدت بصورة خاصة من كتاب مخطوط بقلم عبود الصالحي عنوانه « قرة العين على حقيقتها وواقعها » . ومما يجدر ذكره أن هذا الكاتب هو من أسرة البرغاني ومن أقرباء قرة العين .
( 3 ) محمد زرندي ( المصدر السابق ) .