رسائله - أو ألواحه حسب اصطلاح البابيين - بلقب « الطاهرة » . ولكن غلب عليها لقب « قرة العين » . ولما وصلت إلى إيران أخذت تدعو الناس إلى العقيدة الجديدة بكل جرأة في البلاد التي كانت تمر بها وهي في طريقها إلى قزوين . فأثارت ضجة شديدة . ولما وصلت إلى قزوين تضاعفت الخلافات بينها وبين أسرتها ، خصوصا عمها حماها وابنه زوجها . فقد كانت مناقضة الشيخ ملا محمد تقي وابنه الشيخ محمد تقتصر على الشيخ الأحسائي والسيد الرشتي وأتباعهما . وها هي تمتد اليوم إلى البابية والبابيين ، وتزداد حدة . وكان من أخلص أتباع « قرة العين » تاجر ثري معتبر من تجار قزوين اسمه « آقا هادي » . وكان شديد التعصب فدائيا للبابية . ويقال إنها هي التي حرضته على قتل عمها الشيخ محمد تقي ، فقتله في محراب المسجد وهو في الثمانين من عمره سنة 1263 ه . وبذلك ازداد النزاع حدة . ولا يستبعد أن يكون اتهامها بالتحريض على قتل عمها يراد به إيجاد حجة لاعتقالها كما حدث بعد ذلك إذ اعتقلت الحكومة « قرة العين » واعتبرتها المسبب الأصلي لقتل الشيخ محمد تقي البرغاني ، وأوقفت في دار الحكومة مدة . وإذ رأى البابيون أن حياتها في خطر ، قاموا بجهود ومساعي شاقة لاطلاقها من التوقيف حتى استطاعوا ، بواسطة « آقا هادي » قاتل عمها نفسه ، من الفرار بها من قزوين إلى طهران ، ورافقها في هذا الفرار « آقا هادي » أيضا . فلما وصلوا في طريقهم إلى قرية « بدشت » فقد « آقا هادي » هذا وضاع أثره ولم يعرف عنه شيء بعد ذلك قط . وأقامت « قرة العين » في طهران مدة قليلة . ثم غادرتها قاصدة إلى خراسان يصحبها جماعة من البابيين المخلصين لعقيدتها ، إلى أن وصلت إلى قرية « بدشت » ، وكانت قد أصبحت محل تجمع البابيين ، فتوقفت فيها . وهناك أخذت ترقى المنبر وتخطب سافرة . وكان عدد البابيين المجتمعين هناك واحدا وثمانين . منهم الحاج محمد علي قدوس والميرزا حسين البهاء . وطالت مذاكراتهم ومباحثاتهم ومناظراتهم مدة عشرة أيام . ووقع في هذه المدة نزاع بين « قرة العين » والحاج محمد علي قدوس على الرئاسة ، إذ ادعى كل منهما أنه هو المقدم على الآخر ليكون رئيس جماعة البابيين وإمامهم ، وسعى كل منهما إلى استمالة الجماعة إليه . وانقسم البابيون المجتمعون في « بدشت » إلى ثلاث فرق . فرقة ترى أن « قرة العين » هي المفترضة الطاعة . وفرقة تبعت الحاج محمد علي قدوس . وفرقة ساء ظنها بهذا الاجتماع وبالامامين المتنازعين فاعتزلتهم جميعا ونفضت يدها من البابية وعاد كل من أفرادها إلى موطنه . وكان هذا أول شقاق حصل بين البابيين . وفوق هذا انتشرت بين الناس شائعات كثيرة عن « قرة العين » وتناولتها أقوال . ثم انتهت القضية إلى التفاهم والاتحاد والمصالحة ، وذلك بوصول رسالة من « علي محمد » الباب - أو نزول آية عليه حسب تعبير أتباعه - تقول : « ما ذا أقول في حق نفس سماها الله الطاهرة » . وركب الامامان ، « قرة العين » وقدوس ، كلاهما في هودج وسارا ، مع أصحابهما ، يقصدون مازندران . فلما وصلوا إلى قرية تدعى « نيالا » في أواسط شعبان سنة 1263 هتلقاهم خمسمائة من أهاليها حملوا عليهم ونهبوا كل أموالهم وفرقوهم شذر مذر . واتجه الحاج محمد علي قدوس نحو « بابل » ، وانطلقت « قرة العين » في قرى مازندران وقصباتها تنشر دعوة الباب بين الناس . وإذ كان أقاربها وجماعة آخرون من مخالفيها وأعدائها يريدون قتلها اضطرت إلى الابتعاد ، وذهبت مع الشيخ « أبو تراب الاشتهاردي » ( 1 ) إلى نواحي « نور » ومنها إلى « بابل » . فلما علم الناس بقدومها هب رجال الدين إلى مقاومتها ، وكان أشدهم في ذلك « الآخوند الملا سعيد سعيد العلماء بار فروشي » . وكانت تعلم أنهم إن ظفروا بها آذوها ونكلوا بها فتوارت عن الأنظار ، ثم ذهبت إلى نواحي « نور » . وهناك لم تلبث أن سمعت بان البابيين قد اجتمعوا في قلعة الطبرسي ، وأن حربا تدور بينهم وبين قوات الدولة . فعزمت على العودة إلى « بابل » لتلتحق من ثم ببابي قلعة الطبرسي . فلما وصلت كانت القلعة محاصرة بعسكر الدولة حصارا كاملا . وعرفها رجال الدولة فاعتقلوها وأرسلوها مخفورة إلى طهران . وهناك أوقفت في بيت « محمود خان نوري » رئيس شرطة طهران . وكان جماعة من البابيين ، ما بين رجل وامرأة ، مسجونين فيه أيضا . ووضعت « قرة العين » في الطبقة الفوقانية من المنزل ومنعت منعا باتا من ملاقاة أحد من الناس . وظلت « قرة العين » سجينة في ذلك البيت حوالي خمس سنوات ، من سنة 1264 هإلى سنة 1268 ه ، وهي السنة التي نجا فيها ناصر الدين الشاه من محاولة اغتيال البابيين له بإطلاق الرصاص عليه في محلة « نياوران » ، وصدر أمر بقتل البابيين قتلا جماعيا . وجاء جماعة من موظفي الدولة فأخرجوا « قرة العين » من بيت رئيس الشرطة متظاهرين بأنهم يريدون نقلها إلى بيت الميرزا « آقا خان نوري » الصدر الأعظم ، فاركبوها على فرس وذهبوا بها إلى « باغ ايلخاني » ( البستان الايلخاني ) الواقع في طهران ، وهناك خنقوها وألقوا جثتها في بئر وطمروا البئر بالتراب . ولدت « قرة العين » من زوجها ابن عمها الشيخ محمد صبيين هما الشيخ إسماعيل والشيخ إبراهيم ، وبنتا . وثلاثتهم على خلاف عقيدة أمهم يتبعون عقيدة أبيهم وجدهم . والصبيان سلكا مسلك رجال الدين في الزي والدرس . ويوم كانت « قرة العين » مقيمة في كربلاء عارضها فريق من البابيين ورفضوها . ويوم كانت مقيمة في قزوين و « بدشت » عارضها أيضا جماعة منهم وخالفوها مخالفة شديدة . وشكوها إلى الباب « علي محمد » ، وكان مسجونا في « ماكو » ، في رسائل كثيرة أرسلوها إليه . ولكن كان يأمرهم بموافقتها ومساعدتها ويفيض في الثناء عليها وبيان عظمتها في كل أجوبته على رسائلهم .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 240
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٤٠
هامش
( 1 ) الشيخ أبو تراب الاشتهاردي كان في أول أمره من علماء الشيخية ، ومن تلاميذ السيد كاظم الرشتي وخواصه . اشتهر بالزهد والتقوى . أقام في كربلاء مدة طويلة ، ثم ذهب إلى مشهد فتزوج بأخت « الملا حسين بشرويه » المعروف ب « باب الباب » ، وكان هذا أيضا في أول أمره شيخيا ومن تلاميذ السيد الرشتي . ثم عاد الاشتهاردي إلى كربلاء ، فأدخله « الملا علي البسطامي » في العقيدة البابية وأصبح من أشد المناصرين للميرزا علي محمد الشيرازي ، يرافق البابيين ويناصرهم في « بدشت » ومازندران وقلعة الطبرسي وغيرها . ثم عاد إلى كربلاء واشتغل بتعليم الأطفال .