وعاد إلى طهران . ثم وصله خبر بان « محمد أمين رؤوف باشا » قائد الجيش التركي العام حاضر للصلح ، وأن ممثلين للدولة العثمانية سيحضرون إلى طهران في ربيع السنة القادمة للمفاوضة .
معاهدة الصلح
وفي مطلع سنة 1238 هبدأ في طهران و « أرضروم » تفاوض الدولتين لايقاع الصلح بينهما . وفي 19 ذي القعدة سنة 1238 هثم في « أرضروم » الاتفاق بين « الميرزا تقي خان الفراهاني » ممثل إيران و « محمد أمين رؤوف باشا » ممثل الدولة العثمانية على معاهدة للصلح ووقعا عليها . ثم أرسلت إلى السلطان العثماني « محمود خان الثاني » فوقع عليها . ووقع عليها « فتح علي شاه » في ربيع الثاني سنة 1239 ه .
ومع أن إيران كانت هي المنتصرة في هذه الحرب فإنها لم تحاول أن تفرض على الدولة العثمانية في هذه المعاهدة ما يفرضه الغالب على المغلوب في العادة . وكل ما حصلت عليه إيران من هذه المعاهدة هو تعهد الدولة العثمانية بان تعامل الدولة الإيرانية والأفراد الإيرانيين بالانصاف وبما تقضي به القوانين المرعية بلا إجحاف ولا تعد . وقبلت إيران بان تجلو عن الأرض التي احتلتها من أرض العثمانيين وصرفت النظر عن المطالبة بتعويض عن خسائر في هذه الحرب !
إيران وأفغانستان
لما تملك القاجاريون كان أعقاب « نادر شاه أفشار » لا يزالون يحكمون في خراسان . ثم قضى « آقا محمد خان » على آخر عقب منهم « شاه رخ شاه » حفيد « نادر شاه » ، وبذلك سيطروا على خراسان وأصبحوا جيران أمراء أفغانستان .
وقد أصبحت الأرض المجاورة لأفغانستان من مطلع القرن الهجري الثالث عشر محلا لتنافس قوى مختلفة . تنافس لا ينفك يتزايد يوما فيوما .
فالانكليز يسعون جهدهم ليكون لهم التقدم على غيرهم في أفغانستان واستمالتها إليهم للمحافظة على مستعمراتهم في الهند وصيانتها من تعدي الروس . والروس في آسيا المركزية لا ينفكون يقتربون أكثر فأكثر من الهند .
وأسهل الطرق إلى الهند هو أفغانستان . ومن أجل ذلك كان الروس مضطرين إلى المسارعة إلى الوصول لحدود أفغانستان والتسلط على عموم آسيا المركزية ، ولا بد لهم من سلوك طريق « مرو » و « بلخ » و « هرات » للوصول إلى غايتهم هذه . ودولة إيران تعد « هرات » جزءا من أرضها ، تسعى إلى الاستعانة بالروس لتصونها من الوقوع في يد الأفاغنة ، أي يد الإنكليز في الواقع . لقد ظلت ناحية « هرات » إلى تلك الحقبة دائما جزءا من أرض إيران . والإنكليز لا يرتاحون إلى ما لإيران من نفوذ فيها . وقد دأب الإنكليز في كل مدة حكم القاجاريين على إضعاف إيران كليا لئلا تستطيع أن تكون عونا للروس عليهم ولا تستطيع الاستفادة من نفوذها في أفغانستان فتحتفظ بناحية « هرات » .
ومن سنة 1207 هإلى سنة 1215 هكان المسيطر على أفغانستان « زمانشاه الدراني » . وكان سفاحا ، وكان يعادي الإنكليز . وفي سنة 1209 ه ، إذ كان « آقا محمد خان قاجار » قد قضى على أسرة « نادر شاه » وملكها في خراسان ، نقل « زمانشاه » إلى أفغانستان « نادر ميرزا » ابن « شاه رخ شاه أفشار » وأجاره عنده .
فلما قتل « آقا محمد خان » جهز « زمانشاه » جيشا لمساعدة « نادر ميرزا » وأرسله معه إلى خراسان . وفي سنة 1213 هاستولى « نادر ميرزا » على مدينة مشهد ، وساعده فريق من رؤساء خراسان . وفي سنة 1214 ه . سار « فتح علي شاه » بنفسه يسوق جيشا إلى خراسان لمحاربته .
فلم يستطع « نادر ميرزا » مقاومته ، واستسلم إليه . وانتهى أمر « نادر ميرزا » إلى أن اعتقله في سنة 1217 ه . « محمد ولي ميرزا » حاكم خراسان وأرسله إلى طهران . فأمر « فتح علي شاه » بقطع لسانه ويديه فقطعت .
ومات على أثر إيقاع هذه العقوبة به .
وفي أثناء هذه الحوادث كان « محمود ميرزا » أخو « زمانشاه » يحرض الناس في نواحي « قندهار » و « هرات » على الثورة على أخيه هذا ، إذ كانت بينهما خصومة ونزاع على الملك . وبعد مقتل « آقا محمد خان » أخرج « زمانشاه » أخاه « محمود ميرزا » من « هرات » ، فخرج هذا قاصدا إلى طهران لاجئا إلى « فتح علي شاه » ، فوصلها في شهر رمضان سنة 1212 ه .
وأقامه « فتح علي شاه » في « كاشان » . وفي السنة التالية طلب « محمود ميرزا » من « فتح علي شاه » أن ينصبه حاكما على « هرات » . فأجابه إلى طلبه وأمر فريقا من رؤساء خراسان بمساعدته .
وسار « محمود ميرزا » إلى « هرات » ، ووقعت بينه وبين جيش أخيه « زمانشاه » مناوشات ، انفض بعدها الأفاغنة عن « محمود » ، فعاد إلى إيران يطلب المدد من « فتح علي شاه » وأعانه رؤساء خراسان ، حتى استطاع في سنة 1216 هأن يتولى حكومة « هرات » . وظل حاكما عليها من قبل « فتح علي شاه » إلى سنة 1218 ه .
أما « زمانشاه » فقد أعمي في سنة 1215 ه . وقصرت يده عن العمل ، ووقعت منازعات بين من خلفوه في الحكم و « محمود ميرزا » حاكم « هرات » ، واستطاع « شجاع الملك » المعروف باسم « شاه شجاع » أن ينتزع « هرات » من « محمود ميرزا » . ثم استعادها هذا بمساعدة رؤساء خراسان . واستمرت المنازعات بين الفريقين إلى سنة 1224 ه . إذ استولى « محمود ميرزا » على « هرات » و « قندهار » . وفي سنة 1232 هانتزعت منه واستولى عليها آخرون وظلت في يدهم إلى سنة 1245 هو في تلك السنة كان « محمود ميرزا » يحكم على القسم الغربي من أفغانستان بمساعدة من إيران .
وقد شغلت الحرب التي وقعت بين إيران وروسيا من سنة 1241 هإلى سنة 1243 هإيران عن تدبير أمورها في أفغانستان ، ولذلك خرج عليها « كامران ميرزا » ابن « محمود ميرزا » في سنة 1245 هوعلا شانه . وفي سنة 1249 ه ، إذ كان « عباس ميرزا » ولي العهد قد سوى الأمور في أذربيجان بعد انتهاء الحرب الروسية الإيرانية ، أمر « فتح علي شاه » ابنه هذا بالسير إلى قمع « كامران ميرزا » . فسار حتى وصل إلى مشهد . . وهناك نصب ابنه « محمد ميرزا » الذي وصل بعد ذلك إلى منصب الشاه وأصبح « محمد شاه » ، وابنه الآخر « خسرو ميرزا » ، ومعهما فريق من رؤساء خراسان ، على قيادة الجيش وأمرهم بالسير إلى « هرات » لفتحها . وكانت عدة هذا الجيش أكثر من خمسة وثلاثين ألف جندي . وتخلف « عباس ميرزا » في مشهد .