فهب « غريبايدوف » إلى الدفاع . وكان المدافعون معه بضعة رجال من الإيرانيين كانوا حراسا للسفارة وفرقة من القوزاق جاء بهم معه من روسيا وعدتهم من عشرين إلى ثلاثين قوزاقيا ، وموظفو السفارة . ووقعت بين المهاجمين والمدافعين معركة حامية في يوم الجمعة 30 كانون الثاني سنة 1829 م الموافق 24 رجب سنة 1244 ه .
وقتل برصاص الحرس ستة رجال من المهاجمين . فحملهم الناس ووضعوا كل قتيل منهم في مسجد من مساجد طهران . فضج رجال الدين بالاستنكار . وهجم ثلاثون ألفا تقريبا من الرجال على السفارة الروسية فحاصروها وأخذوا يرمون المدافعين عنها بكل ما تصل إليه أيديهم ، حتى الحجارة والأخشاب .
ولما بلغ الخبر إلى « فتح علي شاه » بادر إلى إرسال فرقة من ألفي جندي لحماية السفارة . ولكنهم وصلوا بعد فوات الأوان . فقد كان موظفو السفارة ، وعدتهم خمسة وثلاثون ، قد قتلوا إلا واحدا منهم هو السكرتير الأول . ولم يبق حيا من القوزاق غير اثنين . وكان « غريبايدوف » نفسه قد قتل أيضا بحجر وقع على صدغه . قتل ولما يمض على وصوله إلى طهران غير تسعة عشر يوما . وحمل جثمانه إلى « تفليس » فدفن فيها .
سفارة « خسرو ميرزا »
وأثار مقتل السفير « غريبايدوف » غضب الدولة الروسية ، ولقد همت بان تستأنف حربا ثالثة على إيران ، لولا أنها كانت قد شرعت حربا على الدولة العثمانية .
وبعد سبعة أشهر من تلك الواقعة أرسل « عباس ميرزا » أحد أبنائه « خسرو ميرزا » من طريق « تقليس » إلى « بطرسبورغ » للاعتذار إلى القيصر عن تلك الفتنة . وحمله رسالة إلى القيصر من « فتح علي شاه » ورسالة منه . ورافقه في هذه السفارة بعض الكبار من رجال الدولة ومنهم الكاتب الشاعر « محمد خان » المعروف باسم « فاضل خان الغروسي » .
وفي أثناء سير هذه البعثة في طريق القفقاس التقت بالشاعر الروسي الكبير « بوشكين » وهو مجند في جيش « فاسكييفيتش » ذاهب إلى محاربة العثمانيين . وقد نظم « بوشكين » قصيدة في موضوع التقائه هذا بالشاعر الإيراني « فاضل خان » في هذه الرحلة . وقد أعجب القيصر الروسي بشمائل الأمير الإيراني الشاب « خسرو ميرزا » حتى إنه أعفى إيران من تأدية القسط الأخير من الغرامة الحربية إكراما له .
الحروب الإيرانية العثمانية
وفي عهد « فتح علي شاه » وقعت أيضا حروب بين إيران والدولة العثمانية . حروب كانت امتدادا لما استحكم من عداء بين الدولتين من مطلع عهد الصفويين .
ولهذا الاختلاف عدة أسباب . منها اهتمام إيران بوضع مدينة بغداد ، وهي وسائر العراق يومئذ في حكم العثمانيين . فان من يسيطر على هذه المدينة يسيطر على النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية . وهي مدن مقدسة عند الإيرانيين . وهم يتطلعون إلى أن تكون إدارة شؤونها في أيديهم ، وما أكثر ما سعى « نادر شاه » إلى احتلال بغداد والسيطرة على مزارات العراق . ولما وصل القاجاريون إلى الملك ظلت هذه الأمنية تساورهم . وكانت أحد الأسباب في وقوع ثلاث حروب بين إيران والدولة العثمانية ما بين سنة 1221 وسنة 1238 ه .
ومن تلك الأسباب أن الحدود بين إيران والعراق في ناحية « السليمانية » من كردستان ظلت غير معينة من زمن « نادر شاه » . وكان تعيين حاكم « السليمانية » و « شهرزور » من إقليم « كردستان » في عهدة والي بغداد العثماني بشرط حصوله على موافقة إيران على من يختاره لهذا المنصب .
وفي سنة 1220 هنشب خلاف بين إيران ووالي بغداد على منصب حكومة هذه الناحية ، إذ عزل الوالي حاكمها الذي ترتضيه إيران ونصب في مكانه حاكما لا ترتضيه على « السليمانية » و « شهرزور » .
ولهذا السبب نشبت في ذلك الإقليم حرب بين الدولتين في سنة 1221 ه . وهي أول حرب نشبت بينهما في عهد « فتح علي شاه » .
وكان قائد الجيش الإيراني « محمد علي ميرزا دولت شاه » ابن « فتح علي شاه » ، وله من العمر يومئذ ثمانية عشر عاما . وعلى قيادة الجيش العثماني « علي باشا » حاكم بغداد وابن أخته « سليمان باشا كهيا » .
وقد أوقع الإيرانيون في هذه الحرب بالعثمانيين هزيمة نكراء وقتلوا منهم ثلاثة آلاف وأسروا ألوفا . وكان من الأسرى « سليمان باشا كهيا » أحد قائدي الجيش العثماني ، وقد أرسله « محمد علي ميرزا دولت شاه » إلى طهران . وتعقب الإيرانيون العثمانيين حتى اقتربوا من فسطاط « علي باشا » نفسه .
عندئذ قام « علي باشا » بتوسيط المرجع الديني الشيعي « الشيخ جعفر » النجفي عند « محمد علي ميرزا » لايقاع الصلح . فاستجاب له « محمد علي ميرزا » وأطلق أكثر من أربعة آلاف أسير عثماني من الأسر . ثم سافر « الشيخ جعفر » إلى طهران وشفع للقائد الأسير « سليمان باشا كهيا » عند « فتح علي شاه » فشفعه وأطلق أسيره .
وفي سنة 1222 هتوفي « علي باشا » والي بغداد ، فنصب « فتح علي شاه » في مكانه أسيره الطليق « سليمان باشا كهيا » وأعاد الحاكم المعزول الذي ارتضته إيران إلى منصبه حاكما على « شهرزور » و « السليمانية » . وفي تلك السنة توفي أيضا السلطان العثماني « سليم خان الثالث » وخلفه « مصطفى خان الرابع » ، ووافق هذا على تعيين « فتح علي شاه » لذينك الحاكمين في ذينك المنصبين . وأرسل « فتح علي شاه » مندوبا عنه إلى العاصمة العثمانية لتهنئة السلطان الجديد . ودام الصلح بعد ذلك بين إيران والدولة العثمانية خمس سنوات .
حرب
في سنة 1223 هتولى الملك السلطان « محمود خان الثاني » العثماني .
وكانت إيران يومئذ مشغولة بمحاربة روسيا . فأرسل السلطان العثماني هذا وفدا إلى إيران ، وفيه جماعة من كبار رجال البلاط ، لتمكين الصلح والتفاهم بين الدولتين .
ووصل الوفد إلى طهران في شهر ربيع الثاني سنة 1226 ه . وتم الاتفاق بين الفريقين على أن يكون لإيران وحدها حق اختيار حاكم