« شهرزور » . وأن يكون حاكما على بغداد من ترتضيه الدولتان كلتاهما لهذا المنصب . وأن يعامل الزوار الإيرانيون في البلدان العراقية المقدسة بالحسنى .
وأن يكون بين الدولتين ائتلاف في مخاصمتهما لروسيا . وأن تراعي كل منهما مصالح الأخرى إذا عقدت معاهدة بينها وبين روسيا .
ولكن الدولة العثمانية لم تلبث أن نقضت كل هذه العهود ، إذ عينت على بغداد واليا بدون موافقة إيران . وأقدم هذا الوالي في سنة 1227 هعلى عزل حاكم « شهرزور » الذي عينته إيران . وعقد العثمانيون معاهدة صلح بينهم وبين روسيا أضرت بإيران .
عندئذ أمر « فتح علي شاه » ابنه « محمد علي ميرزا » بان يعيد حاكم « شهرزور » المعزول إلى منصبه . وكان هذا العمل بداية للحرب . وقبل وقوع القتال أرسل « محمد علي ميرزا » رسولا من قبله إلى بغداد لمباحثة الوالي التركي ، واسمه « عبد الله باشا » في أمر هذه المخالفات . ولكن الوالي حجبه ولم يسمح له بالدخول عليه . وفي شهر شعبان سنة 1227 هسار الجيش الإيراني قاصدا مهاجمة بغداد ، ووقعت معارك في أماكن مختلفة من طريق سيره ، انهزم فيها الأتراك ، وأصبح احتلال الإيرانيين لبغداد أمرا وشيكا سهلا .
عندئذ لجا « عبد الله باشا » إلى « الشيخ جعفر النجفي » يوسطه عند « محمد علي ميرزا » ويعلن بقبوله لمطالبه ، ويناشده الإسلام أن يوقف اقتتال الجيشين المسلمين . وعلى هذا النحو خدع الوالي العثماني « محمد علي ميرزا » فتوقف عن المحاربة وعدل عن مهاجمة بغداد وهو قادر على احتلالها بحرب يسيرة . وفي أثناء ذلك قبل الوالي بإعادة حاكم « شهرزور » المعزول إلى منصبه .
وبعد إقرار الصلح أقدم « أسعد باشا » ابن « سليمان باشا كهيا » الذي مر ذكره على قتل الوالي العثماني « عبد الله باشا » . وعين « أسعد باشا » هذا سنة 1228 ه . في مكانه واليا على بغداد بموافقة إيران . وبعد مفاوضات قام بها مندوبون عن الدولتين في طهران وفي إسطنبول ، قبلت الدولة العثمانية بكل مقترحات إيران بشأن حكومة « شهرزور » وبغداد ومعاملة الزوار الإيرانيين والخلافات الحدودية . وعاد [ مندويو ] مندوبو إيران بعد آخر جلسات هذه المفاوضات من إسطنبول إلى طهران في أواخر ذي الحجة سنة 1229 ه .
حرب -
وفي سنة 1236 هتجدد الخلاف بين إيران والدولة العثمانية . وكان سببه أن والي « بايزيد » و « موش » العثماني حرض أحد رؤساء العشائر الإيرانية القاطنة قريبا من الحدود العثمانية أن يرحل برجال قبيلته إلى الأرض العثمانية ، ففعل . ولما أراد موظفو الدولة الإيرانية منعه من الرحيل تدخل الجيش العثماني المقيم في نواحي « وان » وساعده على الرحيل .
ومن جهة أخرى لجا إلى معسكر « عباس ميرزا » رجل اسمه « صادق بيك » وقال إنه ابن « سليمان باشا كهيا » الذي مر ذكره ، وأنه هارب من والي بغداد ، وكان الوالي عليها يومئذ « داود باشا » .
وأرسل والي « أرضروم » العثماني إلى « عباس ميرزا » يطلب منه أن يسلم إليه هذا اللاجىء ومن معه من الرجال ، ووعد بان لا يمسهم بسوء .
فأجابه « عباس ميرزا » إلى طلبه وأرسل إليه « صادق بيك » ورجاله . ولكن والي « أرضروم » نقض وعده وقتل « صادق بيك » ورجاله كلهم .
واستلزمت هذه الحوادث نشوب حرب جديدة بين إيران والدولة العثمانية . وبدأت هذه الحرب في شهر ذي الحجة ، نهاية سنة 1236 ه .
بدأت من أذربيجان و « كرمانشاهان » ، إذ هاجم الجيش الإيراني الأتراك في نواحي مختلفة من « بايزيد » و « أرضروم » وغيرها . ووقعت عدة معارك انتصر الإيرانيون فيها كلها ، وغنموا كثيرا من السلاح والعتاد ، وقتلوا وأسروا كثيرا من الرجال . وفي معركة واحدة وقعت عند « توبراق قلعة » ، وكان الإيرانيون يحاصرونها ، قتل الإيرانيون أربعة آلاف جندي من الأتراك ، واحتلوا القلعة .
وكان من جملة ما احتله الإيرانيون مدينة « بايزيد » نفسها . دخلها « عباس ميرزا » وخطب « الميرزا أبو القاسم القائممقام » فيها باسم « فتح علي شاه » . وما حل شهر صفر من سنة 1237 هحتى كان الجيش الإيراني قد احتل ، في جملة ما احتل ، ثماني قلاع من أمهات القلاع العثمانية . وأرادت الدولة العثمانية استرضاء « عباس ميرزا » فعزلت والي « أرضروم » الذي نقض وعده له بقتل « صادق بيك » ورجاله بعد أن أمنهم .
وفي الجبهة العراقية هزم « محمد علي ميرزا » في شهر المحرم سنة 1237 هالجيش التركي في نواحي « شهرزور » حتى ألحقه بكركوك . ثم احتل سامراء ، وسار إلى بغداد فحاصرها ، وكان الوالي عليها يومئذ « داود باشا » . فتوسل هذا بالمرجع الديني الشيعي الشيخ موسى « ابن » الشيخ جعفر النجفي « ( صاحب كشف الغطاء ) الذي مر ذكره ، وأرسله شفيعا إلى » محمد علي ميرزا « . ولكن حدث حينئذ أن توفي » محمد علي ميرزا « وفاة فجائية ، وهو في معسكره القائم إلى جانب طاق كسرى في ضاحية بغداد .
وظل سبب موته مجهولا .
وقامت الدولة العثمانية بتجديد دفاعها فأرسلت جيشا من سبعين ألف مقاتل إلى « أرضروم » لاسترداد البلاد التي احتلها الجيش الإيراني . ودارت معارك طاحنة في نواحي مختلفة انتصر الإيرانيون فيها كلها . وما حل شهر شوال من سنة 1237 هحتى كان المسعكر التركي بجميع ما فيه من معدات وعتاد قد وقع في يد الجيش الإيراني . ولم يبق من العسكر التركي غير عشرين ألفا ارتدوا على أعقابهم .
وأراد قادة الجيش الإيراني متابعة الحرب ، ولكن « عباس ميرزا » رفض متابعتها إذ كان جيشه متعبا يحتاج إلى الاستراحة . وأقام معسكره في سهل « خالباز » المونق .
وكان « الميرزا تقي خان الفراهاني » يومئذ من كتاب « الميرزا أبو القاسم القائممقام » . و « الميرزا تقي » هذا هو الذي عرف بعد ذلك باسم « الأمير الكبير » و « الأتابك » ، وأصبح الصدر الأعظم لناصر الدين شاه . وقد اختاره « عباس ميرزا » لسفارته عند العثمانيين . فأرسله إلى « أرضروم » لمباحثة ممثلي الدولة العثمانية في موضوع الصلح .
ولما بلغ نبا هذه الفتوحات إلى « فتح علي شاه » عزم على أن يتم ما بدأه « محمد علي ميرزا » في جبهة بغداد . فجهز جيشا سيره لاحتلال « شهرزور » وبغداد . ولكن وقع في جيشه وباء الهيضة « الكوليرا » وقضى على نصف عسكره . وكان ينوي أن يزور العتبات المقدسة في العراق ، فعدل عن عزمه