أمرهما بتسليم القلعة فإنهما خالفا أمره . ولكنهما أرسلا إلى قائد الجيش الروسي المحتل أنهما حاضران للتسليم ، إلا أنهما يطلبان منه التظاهر بأنه يحاصر القلعة مدة ثلاثة أيام يطلق فيها على القلعة قنابل يقتصر في حشوها على البارود فقط فتشتعل ولا تؤذي ، ليصونا بذلك سمعتهما العسكرية ، فيقال إنهما قاوما ثم اضطرا إلى التسليم مكرهين . ولكن القائد الروسي رفض القيام بتمثيل هذه المسرحية ، وأطلق على القلعة ثلاث قنابل صغيرة ، فبادر الإخوان إلى الاستسلام فورا .
ونهب العسكر الروسي المخطوطات النفيسة التي في مكتبة مزار « الشيخ صفي الدين الأردبيلي » ، وأرسلها « فاسكييفيتش » مع مفاتيح قلعة أردبيل إلى القيصر .
وطالت بعد ذلك المذكرات والمراسلات في موضوع مقدار الغرامة حتى تبين الروس أن إيران لا تستطيع أن تؤدي إليهم أكثر من خمسة ملايين تومان ، تعادل عشرين مليون روبل فضة . وفي أثناء ذلك وقعت حرب بين العثمانيين والروس . وأراد العثمانيون تقوية الإيرانيين على الروس بامدادهم بالرجال والسلاح ، ولكن الوقت كان فات . ومع ذلك كانت هذه الحرب من الأسباب التي حملت الروس على التعجيل بإيقاع الصلح بينهم وبين إيران .
بيد أن الروس ، مع ذلك ، واصلوا تقدمهم وعبا « فاسكييفيتش » عسكره ، وأرسل فرق العمال والمهندسين يشقون الطرق اللازمة لمسير عسكره إلى طهران .
معاهدة « تركمان شاي »
عندئذ بادرت الحكومة الإيرانية إلى إرسال أول قسط من الغرامة وسلمته إلى الجيش الروسي في 13 شباط سنة 1828 م الموافق 27 رجب سنة 1243 ه . وأرسل « عباس ميرزا » ، وكان في طهران ، إلى « فاسكييفيتش » أن الشاه أمره بالمسير إلى تبريز لعقد معاهدة صلح على أساس الشروط التي أملاها الروس في اجتماع « دهخوارقان » السابق ، وأنه قادم إلى تبريز قريبا .
فأرسل « فاسكييفيتش » رسولا من قبله إلى ملاقاة « عباس ميرزا » واصطحابه إلى « تركمان شاي » . وهي قرية كبيرة تقع على بعد اثنين وأربعين كيلو مترا من مدينة « ميانه » . وقد اختارها « فاسكييفيتش » لتكون محلا للمفاوضة لأسباب استراتيجية .
وأعد الجنرال « سوشتيلين » ما يلزم من الوسائل لإقامة ضيافة فخمة لعباس ميرزا . وكانت هناك تلة كبيرة جدا لعظام قتلى من الجنود الروس قتلوا سنة 1826 م ( 1242 ه ) ، فدفنها « سوشتيلين » ونصب على مدفنها صليبا كبيرا .
وفي 19 شباط سنة 1828 م الموافق 3 شعبان سنة 1243 هوصل « عباس ميرزا » وثلاثة من رجال الدولة إلى « تركمان شاي » ، وبدأت المفاوضات .
وفي منتصف الليل ما بين 21 و 22 شباط سنة 1828 م الموافق 5 و 6 شعبان سنة 1243 ه ، وهو وقت يعده المنجمون الإيرانيون مناسبا للعمل ، وقع الطرفان الإيراني والروسي على معاهدة الصلح . وأطلقت طلقة ومائة طلقة مدفعية إيذانا للناس بإيقاع الصلح .
ومن جملة ما قضت به هذه المعاهدة اقتطاع ولاية « إيروان » وولاية « نخجوان » من أرض إيران وإلحاقهما بأرض روسيا . وأن تؤدي إيران إلى روسيا غرامة حربية مقدارها خمسة ملايين تومان تساوي عشرين مليون روبل فضة . وأن يكون لسفن روسيا التجارية حق حرية الملاحة في بحر الخزر .
ولا يسمح به لغيرها من السفن الحربية . ونصت المعاهدة أيضا على أن تتعهد روسيا بالاعتراف بان ولاية عهد إيران لعباس ميرزا ولأعقابه من بعده .
وعقدت بينهما أيضا معاهدة تجارية .
مقتل « غريبايدوف »
أول سفير لروسيا في إيران ، بعد عقد معاهدة « تركمان شاي » ، هو الكاتب الروسي « الكساندر سرغييفيتش غريبايدوف » . وهو ابن أخت « فاسكييفيتش » . وكان يقيم في إيران في أثناء الحرب موظفا عند خاله .
وبعد التوقيع على معاهدة « تركمان شاي » في إيران أرسل « [ فاسيكييفيتش ] فاسكييفيتش » نسختها الأصلية معه إلى « بطرسبورغ » ليوقع القيصر عليها . وبعد التوقيع عينه القيصر سفيرا لروسيا في إيران ، فعاد إليها ومعه نسخة المعاهدة الموقع عليها . ووصل إلى طهران في الخامس من شهر رجب سنة 1244 هالموافق 11 كانون الثاني سنة 1829 م .
وكان في معاهدة « تركمان شاي » بند موضوعه استرداد أسرى الحرب والهاربين اللاجئين من دولة إلى دولة ، سواء أكان الأسر واللجوء قبل الحرب أم في أثنائها . وقد وقع خلاف بين إيران وروسيا على تفسير هذا البند وتطبيقه . خلاف استمر سبعة عشر عاما تقريبا إلى أن حل باتفاقية جديدة .
ويوم أصبح « غريبايدوف » هذا سفيرا لروسيا في إيران بلغ هذا الخلاف أقصى درجاته . فقد كانت عادة ذلك الزمان أن يسترق الأسرى .
وكان بين هؤلاء نساء من الأرمن ونصارى « كرجستان » ، منهن مسترقات ومنهن من تزوجن مكرهات بايرانيين ولهن منهم أبناء . وكان أولئك الأسرى من الكرج والأرمن يرغبون في العودة إلى ديارهم وأهلهم . وكان « غريبايدوف » يرى أن ذلك من حقهم بمقتضى البند الخاص بالأسرى من معاهدة « تركمان شاي » . ويسعى جاهدا إلى استخلاصهم .
ويوم كان « غريبايدوف » في قزوين في طريقه إلى طهران عائدا من روسيا توقف هناك يريد استخلاص من في قزوين من الأسرى الأرمن والكرج وإعادتهم إلى بلادهم . ولكن المستفيدين من استبقاء هؤلاء الأسرى في الأسر والعبودية عارضوه وقاوموه ، حتى خشيت الحكومة الإيرانية من أن يصيبوه بأذى ، فبادرت إلى إخراجه من قزوين حفظا له .
وفي طهران عاود مساعيه فلقي معارضة شديدة وتعذر على الأسرى أن يفوزوا بامنيتهم . ولجا فريق منهم من الأرمن والكرج إلى السفارة الروسية .
وشاع بين الناس أن امرأتين أرمنيتين كانتا قد تزوجتا من إيرانيين وولدتا منهما أولادا ، فأرسل « غريبايدوف » من انتزعهما عنوة من بيت الزوجية وحملهما إلى السفارة الروسية .
وقد نشط بعض رجال الدين إلى تحريض الناس وإثارتهم على السفير متذرعين بهذه الإشاعة . ومن هؤلاء المحرضين واحد اسمه « الميرزا مسيح الأسترآبادي » حرضوهم على مهاجمة السفارة الروسية فهاجموها .