وكان حاكم المدينة العسكري « الله يار خان » قد اختبأ في خرابة . فعثر عليه أحد قوزاق البحر الأسود وعرفه وقبض عليه وجاء به إلى « أريستوف » . ( 1 ) وفي ذلك اليوم نفسه عبرت بقية الجيش الروسي ، وكانت متوقفة في « جلفا » وراء نهر « أرس » هذا النهر ودخلت أذربيجان . وفي تلك الأيام ألصقت بالعالم الديني « مير فتاح » تهمة الخيانة والارتشاء ، مع أنه لم يصنع شيئا سوى أنه اختار أهون الشرين ، وحفظ دماء الناس من أن تهدر عبثا في معركة لا تحصل إيران منها على غير الخسارة .
مساعي الصلح
وفي أواخر تشرين الأول الموافقة أواخر ربيع الأول من تلك السنة ذهب سكرتير السفارة الإنكليزية « كامفبل » وحاكم تبريز « فتح علي خان » إلى « فاسكييفيتش » ، وكان لا يزال في « [ تحجوان ] نخجوان » ، يقترحان عليه الدخول في مفاوضات للصلح . وقد أحسن « فاسكييفيتش » استقبال السكرتير الانكليزي ، ولكنه أبلغه أنه يستقبله بما هو ضيف لا بما هو مفاوض ، وأنه يرفض تدخله في هذا الأمر ، والمفاوضة تكون بينه وبين رسول « عباس ميرزا » فقط . وطلب هذا من « فاسكييفيتش » بلهجة استغاثة ، أن يوقف تقدم الجيش الروسي ، على أن يصله في أقرب وقت رسول من الشاه نفسه يحمل معه القسط الأول من الغرامة الحربية التي سبق أن طلبها شرطا للمصالحة .
ولكن « فاسكييفيتش » رفض اقتراحه وقال له إنه سائر إلى « مرند » وحين يصل إليها تكون شروطه للمصالحة أصعب .
وفي 28 تشرين الأول سنة 1827 م الموافق 27 ربيع الأول سنة 1243 هدخل « فاسكييفيتش » إلى مدينة « مرند » . وهناك بلغه نبا بان « عباس ميرزا » ذهب إلى « خوي » وأن عسكره في « قراداغ » قد شتتهم العسكر الروسي . وبلغه أيضا نبا تسليم تبريز .
وفي ذلك اليوم حمل إليه رسول من « عباس ميرزا » رسالة يطلب فيها الاجتماع به للمذاكرة في موضوع الصلح . وكان سكرتير السفارة الإنكليزية يرافق رسول « عباس ميرزا » هذا ، ولكنه لم يكن طرفا في الحديث . وأجاب « فاسكييفيتش » على طلب « عباس ميرزا » برسالة قال فيها : في تبريز فقط يمكن أن نتلاقى لا في غيرها . وقال أيضا : ليقم عباس ميرزا في ( خوي ) مطمئنا ، وأنا آمر جندي بان لا يضايقوه بشيء .
وفي اليوم التالي حمل « فتح علي خان » حاكم تبريز رسالة أخرى من « عباس ميرزا » إلى « فاسكييفيتش » ، فالتقى به وهو في طريقه إلى تبريز .
وكان مضمون هذه الرسالة كمضمون الأولى . ولكن « فاسكييفيتش » رفض الملاقاة وزاد على ذلك أنه أصبح لا يرضى بمقدار الغرامة التي سبق أن طلبها ، وأنه يطلب زيادتها بمقدار عينه .
وتفيد المصادر الروسية أن انهزامات « فتح علي شاه » المتتالية نفرت الأذربيجانيين منه ، فاعلنوا بمخالفته جهارا من ذلك أن حاكم « [ مراعة ] مراغة » أرسل يومئذ ابنه « رضا قلي خان » إلى « أريستوف » في تبريز ، قاطعا مسافة 167 كيلو مترا ، يعرض عليه تسليم مدينة « مراغة » إلى الروس . فأجابه « أريستوف » بان على أبيه أن يعلن أولا بدخوله في طاعة الدولة الروسية ويطلق 42 أسيرا روسيا محتجزين في نواحي « مراغة » منهم 22 أسيرا برتبة ضابط . فبادر الخان حاكم « مراغة » فورا إلى السير بجماعة من جنده وتعقب لجنود الإيرانيين فاستخلص الأسرى الروس منهم وحملهم إلى تبريز وسلمهم إلى « أريستوف » .
وفي 31 تشرين الأول الموافق 30 ربيع الأول دخل « فاسكييفيتش » إلى تبريز ، فاحتفل الناس بقدومه بمظاهر الابتهاج والفرح ونثروا الزهر ونحروا الذبائح في طريقه . وزاره « مير فتاح » وأعطاه رسائل بعث بها إليه حكام « مراغة » و « أهر » و « أردبيل » و « خوي » يعرضون عليه تسليم مدنهم إلى الروس .
وبعد بضعة عشر يوما من احتلال تبريز استشار الروس مخاتير المدينة في تعيين مقادير الضرائب وكيفية توزيعها على المكلفين ، وأتم الروس هذا العمل حسب ما أشار به المخاتير . ولكن الأهالي لم يعجبهم ترتيب الضرائب هذا وأغلقوا متاجرهم وتجمهروا في الساحات العامة وهددوا بالثورة . فقام « مير فتاح » بزيارة « فاسكييفيتش » وأعلمه أن من حرك الناس للاعتراض إنما هم موظفو الدولة الإيرانية وجباتها ، لأن الترتيب الجديد يضر بمصالحهم الخاصة ، وسلم إليه لائحة بأسماء المحرضين ، فاعتقلوا وسجنوا . وعندئذ سكن الناس وعاد الهدوء إلى المدينة .
ويجدر بالذكر أن الحالة النفسية والفكرية التي كان عليها الإيرانيون يومئذ كان لها آثر كبير في فتور الناس عن المقاومة وميلهم إلى الاستسلام . فقد كانت إيران منهكة بحروب وفتن متواصلة طالت عليها أكثر من مائة عام ، من انقراض الدولة الصفوية إلى زمن « فتح علي شاه » . فبعد عهد زاهر بالقوة والعظمة نعمت به إيران أيام حكم الصفويين تداولتها سلسلة من فجائع القتل والخراب والإرهاب وسوء السياسة والانشقاقات الداخلية . فلما آل الأمر إلى القاجاريين بلغت الحال مبلغا عظيما من السوء ، خصوصا أيام حكم « فتح علي شاه » وحروبه الطويلة الخاسرة ، وما أوقعته بإيران من إذلال وإضعاف . وفوق هذا كان الإيرانيون يكرهون القاجاريين ويعدونهم غرباء مغتصبين . بل كانوا لا يزالون يحنون إلى عهود الصفويين ويعطفون عليهم ويرون أنهم كانوا أحق بالحكم من غيرهم لأنهم من السلالة النبوية ، وأنهم قد غصبوا حقهم . ويرون أن ما مني به « فتح علي شاه » من هزائم وانكسارات إنما كان عقابا إلهيا ! ولذلك جعل الناقمون على الأسرة القاجارية ، ولا سيما موظفيها ، يوم دخل الروس أذربيجان ، من خيانتهم لهذه الأسرة نوعا من الاستقامة والصلاح ! كان « عباس ميرزا » قد فر إلى ناحية « سلماس » من أذربيجان ، ينتظر جواب « فاسكييفيتش » على طلبه للصلح . ويستفاد من المصادر الروسية التاريخية أن جماعة من حكام الإقليم الإيرانيين عرضوا يومئذ على « فاسكييفيتش » أن يسلموا إليه « عباس ميرزا » ، ولكنه رفض وفضل أن يبقيه طليقا ليكون ممثل إيران في مفاوضات الصلح لعقد الميثاق الذي ينوي فرضه على إيران .
وفي أواخر شهر تشرين الأول سنة 1827 م الموافقة أوائل جمادى الأولى سنة 1243 هعسكر « عباس ميرزا » في ناحية « أرومية » قرب نهر « غازي
هامش
( 1 ) ظل « الله يار خان آصف الدولة » هذا مدة من الزمن أسيرا عند الروس . ثم دخل في خدمتهم وأصبح موظفا عندهم .