تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
مدينة « إيروان » . وأسروا من الجند المدافعين ثلاثة أفواج وغنموا كثيرا من المعدات الحربية وغيرها . وخربت كل بيوت المدينة تقريبا وامتلأت الطرق بجثث القتلى من الجند الإيرانيين . وأمر « فاسكييفيتش » بتحويل أحد مساجد المدينة إلى كنيسة تذكارا لهذا النصر . واستغرقت الحرب لاحتلال قلاع « عباسآباد » و « سردارآباد » و « إيروان » ثلاثة أشهر . وبفتح « إيروان » علا صيت « فاسكييفيتش » وأصبح أشهر قائد عسكري في روسيا . وأنعم عليه القيصر بكثير من الامتيازات . ومن ذلك الإنعام عليه بلقب درج عليه الروس ، وهو نسبة من يفتح فتحا عظيما إلى البلد الذي يفتحه . وقد أنعم على « فاسكييفيتش » بلقب « إيروانسكي » ، أي « الإيرواني » .

احتلال تبريز

كان « الكونت نسلرود » وزير خارجية روسيا قد أمر الجنرال « فاسكييفيتش » أن يقترح الصلح على إيران بعد أول انتصار مهم يحصل عليه . وبعد احتلال الروس لقلعة « سردارآباد » ، وقبل احتلالهم لمدينة « إيروان » أمر « فتح علي شاه » ابنه « عباس ميرزا » أن يبادر إلى مصالحة الروس ويتخلى لهم عن ولايتي « نخجوان » و « إيروان » ، إذ كان قد أيس من النصر . ولكن « عباس ميرزا » خالف أباه فلم يطلب المصالحة ، إذ كان فصل الشتاء قريبا ، وهو يأمل أن يعوق برد أذربيجان الشديد تحركات الروس فتطول حرب « إيروان » ، وكذلك كان يقوم بتحريض أهالي النواحي التي احتلها الروس وراء نهر « أرس » على الثورة . وقد نجح في إثارة الداغستانيين ، ولكن الروس أخمدوا ثورتهم بسرعة . وكان لا يزال مخدوعا بمواعيد الإنكليز مع كل ما بدا منهم من إخلاف للمواعيد . ويجدر بالذكر أن السفير الانكليزي وأعضاء سفارته وفريق من الضباط الإنكليز الذين كان لهم في الظاهر عنوان المستشارين في الجيش الإيراني ، كانوا يرافقون « فتح علي شاه » و « عباس ميرزا » في مختلف ميادين الحرب ويحرضونهما على متابعة الحرب ورفض المصالحة . ولما فتح « فاسكييفيتش » مدينة « إيروان » أصبح مستعدا لوقف الحرب . وأبلغ الروس الدولة الإيرانية أنهم حاضرون للصلح بشرط أن تؤدي إليهم إيران غرامة حربية مقدارها عشرون مليون روبل . ولكن « عباس ميرزا » تباطا لا يرد بجواب صريح . عندئذ عزم « فاسكييفيتش » على احتلال مدينة « تبريز » ، ثم طهران ، والقضاء على الدولة الإيرانية . وفي شهر تشرين الأول سنة 1827 م الموافق شهر ربيع الأول سنة 1243 هتحركت ثلاثة جيوش روسية من ثلاث نواحي مختلفة ، إحداها خرج من « إيروان » بقيادة « فاسكييفيتش » ، قاصدة تبريز من طرق مختلفة . وكانت الأوضاع الداخلية في النواحي التي احتلها الروس والنواحي التي يحتلونها ، وهم يقصدون إلى تبريز ، سيئة جدا . وقد وجد الروس في اختلال هذه الأوضاع عونا كبيرا لهم على التقدم . كانت عمدة الأعمال التجارية والصناعية يومئذ بيد الأرمن وكان الأرمن يحقدون على الإيرانيين لما كانوا يلقونه من ظلم أيام تجييش الجيوش على يد الموظفين الإيرانيين . وكانت عدة أولئك الأرمن يومئذ تقدر بستين ألفا في أذربيجان . وكانوا يعاونون الروس إذ كانوا على دينهم من جهة ، ويكرهون الإيرانيين من جهة أخرى . وكان أتراك أذربيجان تجمعهم باتراك روسيا آصرة القرابة والقومية واللغة . وكان أكثرهم يتعاطى الفلاحة ، ومحاصيلهم لا تنفك عرضة للإغارة والآفات الزراعية على مدى سبعة عشر عاما من الحروب ، من عهد « آقا محمد خان » إلى اليوم . فهم لذلك ، لا ينفكون متذمرين ناقمين . والأكراد تفرقهم عن موظفي الدولة القاجارية الذين كانوا يتولون شؤونهم فوارق مذهبية . فهم حاقدون ناقمون . وقد استطاع « عباس ميرزا » ، بشق النفس ، أن يجند منهم كتيبة فرسان . ولكنهم لم يفيدوه بشيء في الميدان . وكانوا يولون الأدبار عند أول فرصة ، وينهبون ، وهم في طريق الفرار ، كل ما تقع عليه أيديهم ، ثم يأوون إلى خيامهم في منازلهم . وفي 19 تشرين الأول سنة 1827 م الموافق 18 ربيع الأول سنة 1243 هاحتل « أريستوف » أحد قادة تلك الجيوش الثلاثة مدينة « مرند » . وكانت تبريز على حال في منتهى السوء من التشويش والاختلال . فقد عجز حاكمها العسكري « الله يار خان آصف الدولة » عن تجنيد الناس للحرب إذ عصوا أمره لا يذعنون له . فتوسل إلى حملهم على الطاعة بالارهاب ، وذلك بالاقدام على عمل فظيع . وهو أنه أمر بالتقاط جماعة من المارة في الطرقات ، وقطع آذانهم وأنوفهم وإعمائهم في كل ميدان من ميادين المدينة ، ففعلوا بهم ذلك بلا ذنب أذنبوه . ومع ذلك ظل الناس على عصيانهم لا يذعنون له . وقام أحد رجال الدين اسمه « آقا مير فتاح » على المنبر فخطب قائلا : إذ أن العسكر الإيراني لم يستطع الثبات ، لا في ميدان الحرب ولا وراء أسوار سردارآباد وإيروان ، فليس واجبا على أبناء هذه المدينة أن يذهبوا إلى الحرب . وخطب في يوم آخر وشرح في خطبته ما قام به القاجاريون من ظلم وسلب ونهب . وكان « السيد محمد الأصفهاني المجاهد » الذي أفتى بالجهاد ، وقد مر ذكره ، قد حضر إلى تبريز ليشارك في الحرب . فلما اقترب الروس من تبريز خرج مع جماعة متجندا لحربهم . ولكنه لم يلبث أن وقع في الحيرة واختلطت عليه الأمور وتداخلت إذ وجد أن ممارسة الجهاد بالفعل غير الإفتاء به بالنظر فهو لا يدري ما يفعل . ثم مرض فعاد قاصدا إلى قزوين ، وقضى نحبه في الطريق ، وقيل في قزوين . وحمل جثمانه إلى كربلاء فدفن فيها . وفي صباح 23 تشرين الأول سنة 1827 م الموافق 22 ربيع الأول سنة 1243 هوصلت طليعة الجيش الروسي الذي يقوده « أريستوف » ، وكانت بقيادة المقدم « فانكراتيف » ، إلى ظاهر تبريز ، فخرج جماعة من الأهالي يستقبلونه ، ودخل المدينة سلما ، وقوبل بالهتاف له ومظاهر الترحيب به ، واحتل المراكز العسكرية واستولى على مستودعات الأسلحة ومصانعها . وبعد بضع ساعات وصل الجيش كله ودخل المدينة على إيقاع الموسيقى العسكرية .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 231 | حسن الأمين