ليحتلها ويحتل غيرها من نواحي أذربيجان ، لا يستطيع الوقوف مكتوف اليدين عازفا عن الدفاع . فخرج من طهران ، كارها ، إلى أذربيجان ليكون قريبا من ميدان الحرب ، وعهد بقيادة الجيش الإيراني إلى « عباس ميرزا » .
لقد أقدم « فتح علي شاه » على هذه الحرب اضطرارا لا اختيارا .
وليس صحيحا ما ذكره بعض المؤرخين الشرقيين من أن « فتح علي شاه » وجد نفسه ، بعد صدور الفتوى بالجهاد وخروج الناس في بعض المدن إلى الجهاد ، عند مفترق طريقين : إما أن يمنع الناس من الجهاد وإما أن يمضي إلى محاربة القيصر ، فاختار الثانية . وهو لو استطاع منع الناس من الخروج إلى الجهاد لفعل . ولكنه كان يرمى حينئذ عند الجمهور بالكفر والمروق من الدين . ( انتهت رواية « جان يونير » عن موضوع الجهاد ) .
بداية الحرب الثانية
ونقل « سعيد نفيسي » عن المؤرخين الإيرانيين والأجانب ما خلاصته :
لم تنجع محادثات السفير الروسي « الأمير منشيكوف » لرجال الدولة الإيرانية على ترك الخلاف . وكذلك محادثاته للمجتهدين وعلماء الدين ظلت بلا فائدة . وضيق إصرار هؤلاء الأمر على « فتح علي شاه » وأجبره على الحرب . واضطر إلى استدعاء السفير الروسي وأبلغه ما أجمع عليه العلماء والرؤساء من رأي ، وطلب منه العودة إلى بلاده وأتحفه ومرافقيه بهدايا وأعطاه مالا لنفقات السفر ، وعهد إلى أحد رجال الدولة بمرافقته ورعايته بالضيافة والخدمة إلى أن يبلغ به إلى « تفليس » . وغادر السفير « السلطانية » يوم الجمعة 24 ذي القعدة سنة 1241 ه ، ووصل إلى « تفليس » في أول أيلول سنة 1826 م الموافق شهر صفر سنة 1242 ه .
وكان « عباس ميرزا » قد حضر ، قبيل سفر السفير الروسي ، من تبريز إلى « السلطانية » ليعارض مساعي هذا السفير إلى تحقيق الصلح ، ويهيأ الأسباب لإخراجه من إيران . وبعد ذهاب السفير من « السلطانية » أرسلت فورا فرق العسكر الأولى ، وكانت قد جمعت قبل ذلك في « السلطانية » ، إلى ميدان الحرب ، وتبعها على الأثر رجال الدين المتطوعون للجهاد . وخرجت أول فرقة بعد ذهاب السفير بعشرة أيام . ولحق بها « عباس ميرزا » بعد سبعة عشر يوما من ذهاب السفير .
وكان العقلاء من رجال الدولة الإيرانية يرون أن قرار الحرب هذا لا يقوم على قاعدة صحيحة معقولة ، وأنه سيفضي بإيران إلى كارثة محتومة ، وأن « عباس ميرزا » ، مع كل ما اتصف به من حصافة وتجربة وتعقل ، قد ارتكب خطا جسيما باقدامه على الحرب . وأن الخلاص من معاهدة « گلستان » ، أو ، على الأقل ، إيقاف روسيا عما ترتكبه أحيانا من تجاوز للحدود التي عينتها تلك المعاهدة ، لا يتسنى لإيران بالحرب ، لأن روسيا أقوى منها كثيرا .
وكان من هؤلاء المعارضين الشاعر الكاتب « الميرزا عبد الوهاب معتمد الدولة » المعروف باسمه المستعار « نشاط » ، وكان من كبار رجال بلاط « فتح علي شاه » . وكان من المعارضين أيضا « أبو الحسن خان الشيرازي » وزير الشؤون الخارجية . ولكن هياج الغوغاء ومحركيهم من قاصري الرأي ومن أصحاب المصالح الخاصة غلب على التعقل وحسن التدبير وأرهب العقلاء المعارضين فاضطروا إلى السكوت والتسليم .
الحرب الإيرانية الروسية الثانية
وكانت أول واقعة من وقائع الحرب الإيرانية الروسية الثانية إقدام « حسين خان » حاكم « إيروان » في 22 ذي الحجة سنة 1241 هالموافق 28 تموز سنة 1826 م ، على اختراق الحدود التي عينتها معاهدة « گلستان » بخمسة آلاف من جنده واحتلال بعض ما في يد الروس من أرض . ولم يكن العسكر الروسي الذي في القفقاس متهيئا للحرب ، إذ لم تكن الحكومة الروسية تتوقع إقدام إيران على الحرب ، مخالفة بذلك توقعات سفيرها وقائد عسكرها في إيران الجنرال « يرمولوف » .
وعلى حين كان « عباس ميرزا » ورجاله يعدون عدتهم للحرب كان القيصر الروسي يعد عدته لتوطيد الصلح القائم بينه وبين البلاط الإيراني بمقتضى معاهدة « گلستان » ويرسل « الأمير منشيكوف » سفيرا له فوق العادة إلى « فتح علي شاه » يحمل إليه الهدايا والتحيات ، ويلتمس منه إرسال وفد لتهنئته بالملك وتعزيته بأخيه . وقد حدث أول إقدام لإيران على الحرب وهذا السفير لا يزال في إيران . ومن أجل ذلك كله لم يكن الجيش الروسي يومئذ متهيئا للحرب ، فانهزم بضع مرات في أوائل الحرب ، وتأخر إعلان روسيا للحرب رسميا ثلاثة أشهر وثلاثة أيام ، فنشر هذا الإعلان في موسكو يوم 26 ربيع الأول سنة 1242 هالموافق 16 تشرين الأول 1826 م .
وأخذت الحرب تشتد يوما فيوما ، والروس لا ينفكون يتراجعون منهزمين . ودخل جيش « عباس ميرزا » إقليم « قراباغ » واحتل مدينة « كنجه » ، وحاصر مدينة « شوشي » في أول شهر آب سنة 1826 م الموافق 26 ذي الحجة سنة 1241 ه . ولكن الجنرال « يرمولوف » عاد فأرسل جيشا لاسترداد « كنجه » . والتقى هذا الجيش بالجيش الإيراني ، وعليه « محمد ميرزا » ابن « عباس ميرزا » ، بالقرب من « كنجه » . فلم يقو الجيش الإيراني على الثبات للمدفعية الروسية ، ففر « محمد ميرزا » وتبعه جيشه منهزما وأصبح احتلال « كنجه » ميسورا للروس .
وفي أثناء ذلك أمدت موسكو « الجنرال يرمولوف » بأحد نوابغها العسكريين ، هو الجنرال « إيفان فيدوروفيتش فاسكييفيتش » ، وفوضت إليه القيام بكل عمل يراه صالحا ، حتى عزل « يرمولوف » إذا اقتضى رأيه عزله . ووصل « فاسكييفيتش » هذا إلى القفقاس في 10 أيلول سنة 1826 م الموافق 7 صفر سنة 1242 ه . وفي 17 أيلول الموافق 14 صفر من تلك السنة تسلم القيادة ودخل ميدان الحرب .
ووقع أول لقاء بينه وبين الجيش الإيراني في نواحي « كنجه » . فأوقع « فاسكييفيتش » بالايرانيين الهزيمة وغنم مقدارا من الذخائر وأسر جنده ألفا من الجنود الإيرانيين . ووقعت مناوشات أخرى انتصر فيها الروس وقتلوا ألفي جندي تقريبا من الإيرانيين ، واحتلوا ناحية « قراشاي » حيث كان يعسكر « عباس ميرزا » . وأرسل « فاسكييفيتش » إلى القيصر « نيقولا الأول » نبا هذا النصر .
وقد وقعت حرب « كنجه » هذه قبل ثلاثة أيام من نشر إعلان الحرب على إيران في موسكو . وحصل النصر للجيش الروسي بعد عشرة أيام من نشره .
وكان هذا النصر أول انتصار يحرزه القيصر بعد تملكه . فأرسل إلى