تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
الإيرانيون استرداد ما خسروه . وأول فوج خرج إلي الجهاد كان من مدينة زنجان . ثم خرج الفوج الثاني من مدينة قزوين . وكانا يقصدان إلى تبريز . وخرج فوج آخر من طهران متخذا طريقه إلى أذربيجان . ولم يمنع « فتح علي شاه » خروجهم ، إذ لو فعل لقاتلوه . هذا مع علمه بان كيفية خروجهم لا تقوم على أصل من أصول المحاربة وأن مصيرهم إلى الخيبة . وكان ما حملوه من الزاد لا يكفيهم غير بضعة أيام . وبعضهم كان يحمل مالا ، ولكن أكثر طريقهم كان في الصحراء والمنازل العامرة بعيد بعضها عن بعض فلا يستطيعون شراء ما يحتاجون إليه في وقت الحاجة إليه . وقد لا يجدون في المنازل حين يبلغونها ما هم بحاجة إليه . وكان سلاحهم السيوف ، وبعضهم كان يحمل البنادق والطبنجات . وبعضهم مشاة وبعضهم فرسان . ولم يلتزموا في سيرهم القواعد العسكرية المتبعة في مثل هذا السير ، إذ كانوا يجهلونها . مثلا حين أظلهم المساء في أول يوم من مسيرهم لم يفطنوا إلى أن ممن الممكن أن يكون العدو كامنا لهم فيبيتهم ويقضي عليهم . ولو فطنوا إلى ذلك لما عرفوا انتخاب المكان المناسب لحط الرحال والمبيت . وكان الوقت خريفا فحم كثير منهم بسبب النوم في العراء والتعرض لبرد الهواء . فعاد فريق إلى بلده وتابع فريق سيره وهو محموم . ولم يكونوا يعلمون أين هو ميدان الحرب ، متوقعين أن يعلموا به بعد وصولهم إلى تبريز . وقاسى الطهرانيون خاصة من المصاعب أكثر مما قاسى القزوينيون والزنجانيون . إذ كان هؤلاء معتادين على تحمل البرد مستعدين لما يلزم للوقاية ، بسبب برودة المناخ في إقليمهم . أما الطهرانيون ، وإقليمهم يعد ، نسبيا ، إقليما حارا ، فقد غفلوا عن الاستعداد لما يلزم للوقاية من البرد من أغطية وملابس . وحين وصل من أدام السير منهم إلى قزوين للالتحاق بمجاهديها كان هؤلاء قد غادروها إلى زنجان ، في طريقهم إلى تبريز . فتوقف فريق منهم في قزوين لعجزهم عن متابعة السفر . وتابع فريق سيره إلى زنجان . ولكنهم لم يلبثوا أن ندموا إذ كانوا كلما تقدموا في السير ازداد الطقس بردا ، وهم على ما هم عليه من قلة الزاد وفقدان الملابس والأغطية التي تقيهم البرد . وتبينوا أن هذا السفر ليس على ما كانوا يتصورون من السهولة ، وأنه سفر يتعذر على المرء أن يقوم به إذا لم يتهيأ له بما يلزم من أسباب الوقاية من البرد . وكان عدد المرضى من الطهرانيين يزداد يوما فيوما ، ولما وصل المجاهدون إلى زنجان اشتد البرد إلى درجة عجز فيها الطهرانيون ، حتى الذين سلموا منهم من المرض ، عن متابعة السير ، لفقدانهم كل وسيلة من وسائل السفر في ذلك الإقليم البارد . وكما كانت إدامتهم السفر إلى تبريز أمرا صعبا كانت عودتهم إلى طهران كذلك أيضا . وفيما هم مترددون بين إدامة السفر إلى تبريز والعودة إلى طهران ثلجتهم السماء حتى قطعت الطرق ، وأصبحوا عاجزين عن سلوك كلا الطريقين ، طريق تبريز وطريق طهران . هذا والفصل لا يزال خريفا فكيف إذا حل فصل الشتاء ؟ ! وكان مجاهدو قزوين وزنجان قد وصلوا قبل ذلك إلى تبريز ، وبعد الثلج اضطروا إلى التوقف فيها . واضطر مجاهدو طهران إلى التوقف في زنجان . وكان هذا العذاب نتيجة الخبط الذي ارتكبه المجاهدون لجهلهم بفنون الحرب . فقد كان عليهم أن يتريثوا حتى انقضاء أيام البرد وذوبان الثلوج . فالسفر في تلك الأقاليم الباردة كان يتوقف في ذلك الفصل ، فصل البرد ، ولا يقوم به غير القوافل التي تضطر إلى حمل الأثقال في كل فصول السنة . بل كان العسكر القيصري نفسه وعسكر « فتح علي شاه » نفسه يتوقفان في أيام حرب العشر السنوات الماضية عن التحارب في هذا الفصل . فكيف تستطيع هذه الأفواج الثلاثة من المجاهدين التي خرجت من قزوين وزنجان وطهران ، أن تحارب في هذا الفصل ، وهي مجردة من وسائل السفر الضرورية وأدوات الحرب ، جيش القيصر المجهز بكل ما يلزمه من الوسائل ، المستقر في شمال نهر « كور » وجنوبه ؟ ! وانقطع مجاهدو قزوين وزنجان في تبريز ، لا طعام لهم ولا مسكن ولا وقود فاسعفهم حاكم تبريز ، بأمر من « عباس ميرزا » بما يحتاجونه من ذلك ، وانقطع مجاهدو طهران في زنجان ، وكان حاكمها عاجزا عن إسعافهم فاسعفهم بعض الأثرياء والأعيان . ولولا ذلك لقضوا جوعا وبردا . على هذا النحو توقف سير المتطوعين للجهاد من أهل المدن الثلاث ، زنجان وقزوين وطهران ، إذ أوقفهم البرد عن متابعة السير إلى جنوب نهر « كور » والإغارة على جيش القيصر . وبعد ذوبان الثلوج وانفتاح الطرق كانت حماسة المتطوعين أقل منها يوم خروجهم من بلدانهم . وتقرر أن يستأنفوا سيرهم بعد عيد النوروز في فصل الربيع . وكما كان متوقعا عند « فتح علي شاه » و « عباس ميرزا » أرسل القيصر إلى « فتح علي شاه » مذكرة عد فيها سماحه بخرج المجاهدين من المدن الثلاث إلى أذربيجان خرقا لمعاهدة « گلستان » أرسل القيصر هذه المذكرة ، والمتطوعون لا يزالون منقطعين في تبريز وزنجان والثلج لم يذب بعد . وأجاب « فتح علي شاه » على مذكرة القيصر بان الناس تتملكهم مشاعر دينية قوية ولا يستطاع صدهم عن الخروج إلى الجهاد . ولكن القيصر لم يقبل بهذا الجواب ، وقال : لا يعقل أن يخرج محاربون من بلادك بدون موافقتك وإذن منك . ولو شئت منعهم لامتنعوا . والحق أن « فتح علي شاه » لم يكن قادرا على منع أولئك المتطوعين من الخروج إلى الحرب . بل كان راغبا عن محاربة القيصر مريدا لمسالمته . وفوق هذا كان القيصر هو البادئ فقد كانت حامياته ، قبل خروج المجاهدين ، لا تنفك تخترق ، بين الفينة والفينة ، الحدود التي قررتها معاهدة « گلستان » وتغير على الأرض التي كانت تعد من إيران حسب مقتضيات تلك المعاهدة . ويوم عد القيصر خروج المتطوعين الإيرانيين خرقا لمعاهدة « گلستان » كان أولئك المتطوعون منقطعين في تبريز وزنجان لم يقدموا على عمل حربي ، على حين كانت حاميات القيصر تتعدى الحدود أحيانا كما ذكرنا . ومع ذلك فقد جعل القيصر خروج المتطوعين الإيرانيين ذريعة له إلى استئناف الحرب وسير جيشا بقيادة الجنرال « أريستوف » إلى أذربيجان ، مدعيا أن « فتح علي شاه » هو البادئ بالحرب ، إذ سمح للمتطوعين بالخروج إلى الجهاد ! عندئذ عاد « فتح علي شاه » ، وهو يرى « أريستوف » يسير إلى تبريز