تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦

فيها للحضور إلى طهران ، وتحريض الناس على الجهاد وتجنيدهم له . وتبرع « فتح علي شاه » بثلاثين ألف تومان من ماله الخاص لنفقات المجاهدين . وفي يوم الجمعة 17 ذي القعدة سنة 1241 هاجتمع العلماء في معسكر الشاه في « مرج السلطانية » ، وكان اجتماعهم هذا بعد وصول السفير الروسي « منشيكوف » إلى « السلطانية » بسبعة أيام . وحصل اجتماعهم وهو لا يزال في « السلطانية » . ورأى العلماء في هذا الاجتماع أن من تخلف عن مجاهدة الروس فقد عصى الله واتبع الشيطان . وأيد الشاه وولي العهد وكبار رجال الدولة كلامهم ، إلا « الميرزا عبد الوهاب معتمد الدولة » أحد كبار رجال البلاط ، و « الحاج أبو الحسن خان الشيرازي » سفير إيران في روسيا - كان قد أصبح يومئذ وزيرا للشؤون الخارجية - فإنهما خالفا قرار العلماء ، لعلمهما بان الإفتاء بالجهاد لن يأتي بنتيجة غير الإضرار بإيران وأنه يجري بأسلوب مرتجل لا تبصر فيه ولا يقوم على قاعدة صحيحة من تبين الأمر الواقع والمعرفة السياسية والاطلاع على أصول الحرب . وكان رأيهما أن محاربة روسيا على هذا النحو مضرة بإيران ، وقد أثبتت الوقائع بعد ذلك صحة رأيهما . ولكن المجتهدين أرسلوا إليهما رسالة عنيفة فيها تهديد ووعيد ، قالوا فيها : لقد ضعفت عقيدتكما . وإلا فكيف تعدان مجاهدة الكفار أمرا مكروها ؟ فاضطرا إلى السكوت عن المعارضة والاستسلام للفتوى . وأجمع علماء الدين على الإفتاء بفتوى مكتوبة بان تكليف الشاه الشرعي هو ترك مصالحة روسيا ومداراتها ، وإعلانها بالعداوة لما يقوم به الروس في الأقاليم المحتلة من تعد على الأعراض وسخرية بالإسلام ، وهي أمور تعد عارا وتستلزم النزاع والحرب . وأن ملك المسلمين ، بما هو مفروض عليه إطاعة أحكام أئمة الدين ، ومثله كل المسلمين ، يجب عليه وعليهم الجهاد . وكل تساهل في هذا الأمر كفر وضلالة . وقام السفير الروسي بمباحثة رجال الدولة في هذا الموضوع وحاول أن يثنيهم عن العزم على الحرب فلم يصغوا إليه . واتفق يومئذ أن اجتاز بعض الحاميات العسكرية الروسية القائمة على الحدود في الشمال حدودها إلى الأرض المعدودة يومئذ من أرض إيران . فزاد ذلك في غضب رجال الدين وإصرارهم على الجهاد . وزار السفير الروسي علماء الدين وحاول أن يقنعهم بالتخلي عن الجهاد فلم يقبلوا . واستدعى « فتح علي شاه » السفير الروسي ، وطلب منه مغادرة إيران . وأهدى إليه وإلى مرافقيه بعض التحف وزوده المال اللازم لسفره وعين أحد كبار رجال البلاط لمرافقته والقيام بواجب ضيافته حتى يبلغ إلى « تفليس » . وسافر السفير الروسي يوم الجمعة 24 ذي القعدة سنة 1241 ه‍ . وكان ذلك بداية الحرب الثانية بين إيران وروسيا . وبعد وقوع الحرب تبين الناس عجز المحاربين الإيرانيين ووقع عسكرهم في مضيقة عظيمة من قلة الزاد والعلوفة وكثر فيه القتل والأسر ، وعم الخراب والرعب ، واتضح لهم أن الاقدام على هذه الحرب كان خبطا وجهلا وغباء ، واستاؤوا من « السيد محمد الأصفهاني » بما هو أحد المسببين للحرب ، وأهانوه . ( 1 ) وفي أثناء ذلك مرض . فخرج من تبريز قاصدا قزوين . ولكنه توفي في الطريق ، وقيل إنه توفي في قزوين في أواخر سنة 1241 هأو أوائل سنة 1242 ه‍ . ونقل جثمانه إلى كربلاء فدفن فيها .

رواية أخرى

وروى الفرنسي « جان يونير » في كتابه « أبطال إيران المجهولون في محاربة روسيا القيصرية » ( 2 ) حركة الجهاد هذه على هذا النحو : قبيل الحرب الثانية التي وقعت بين إيران وروسيا نهض عالم آخر ( 3 ) من علماء الشيعة القاطنين في بلاد ما بين النهرين إلى المناداة بالجهاد . وكان سبب نهوضه هو أيضا شكوى مسلمي القفقاس مما يلقونه من جور الروس عليهم وإذلالهم لهم . ويومئذ كان الجنرال « رتيشتشوف » قد عزل من حاكمية القفقاس وحل محله في هذا المنصب الجنرال « يرمولوف » . وكان يوقع بمسلمي القفقاس من الأذى والظلم ما كان يوقعه بهم سلفه . فشكوا أمرهم إلى « السيد محمد » مرجع تقليد الشيعة في بلاد ما بين النهرين . فأرسل « السيد محمد » رسائل إلى علماء الدين في مختلف الولايات الإيرانية يدعوهم فيها إلى إنقاذ مسلمي القفقاس مما يقع عليهم من اضطهاد فأجابوه بأنهم حاضرون للجهاد . عندئذ عزم « السيد محمد » على الحضور من العراق إلى إيران . فسار إليها ومعه جماعة من العلماء . وكانت له شهرة ونفوذ واسعان ، فخرج الناس إلى استقباله في الحدود بين إيران والعراق ، وبلغ بعضهم إلى « كرمانشاهان » يستقبلونه عندها . وهيا « فتح علي شاه » له ولرفاقه العلماء ضيافة تليق بمقامه في طهران . ويوم حضر قبل ذلك « الشيخ محمد حسين النجفي » إلى إيران لهذه الغاية كان « فتح علي شاه » راغبا عن إصدار فتوى بالجهاد . ولكنه تظاهر بالقبول لأن نهوض العلماء إلى الجهاد ينفعه سياسيا . أما يوم حضر « السيد محمد » ورفاقه من العلماء إلى طهران فقد كان « فتح علي شاه » غير راغب في الجهاد ، لا في الباطن ولا في الظاهر ، إذ كان غير مستعد لبذل نفقات الجهاد . وقد جعلته معاهدة « گلستان » التي انتهت إليها الحرب الأولى شديد

هامش
( 1 ) لما وصل « السيد محمد الأصفهاني » المعروف بلقب « المجاهد » هذا إلى إيران ، استقبله الناس استقبالا عظيما . وأحيط أيام إقامته فيها ، قبل الحرب ، بكل مظاهر التبجيل والإجلال . وبعد وقوع الحرب انقلب أمره إلى الضد . قال « مهدي بامداد » في تاريخه « شرح حال رجال إيران » : لما وصل السيد المجاهد إلى قزوين قادما من العراق اندفع الناس الجهلاء إلى استقباله استقبالا فخما . ولم يكن أولياء الأمور والموجهون من العلماء أقل منهم جهلا بأمور السياسة والحرب . وبلغ الأمر إلى أن السيد محمد المجاهد توضأ يوما في حوض « مسجد الشاه » الذي في قزوين . فلما أتم وضوءه أقبل العوام الذين هم كالأنعام بل أضل سبيلا على الحوض يحملون من مائه إلى بيوتهم يحفظونه ذخيرة للتبرك والاستشفاء ! ثم انكشفت حقيقة هذه الحرب وتبين أنها لم تكن غير كارثة تقع على إيران . وكانت أكثر عائلات إيران قد أصيبت بقتل بعض أفرادها في هذه الحرب . ولذا نقم الناس على السيد محمد نقمة شديدة ، بما هو من مسببيها والمحرضين عليها ، حتى اضطر الشاه إلى حمايته . ولولا ذلك لقطعه الناس إربا . وذكر آخرون من المؤرخين غير « مهدي بامداد » شيئا من هذا القبيل .
( 2 ) ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية « ذبيح الله منصوري » وننقل هذا البحث ملخصا عن ترجمته هذه .
( 3 ) الأول هو « الشيخ محمد حسين النجفي » وقد مر ذكره .