تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
النفور من الحرب ، فهو يتجنب الوقوع في حرب جديدة ، وقد كانت الحرب الأولى تكلفه كل الدخل القومي . ولم تكن إيران يومئذ تنظم مخصصات مالية عامة سوى رواتب موظفي الدولة وموظفي الجيش . بل كانت مخصصات موظفي الدولة تقتصر على رواتب موظفي البلاط والحراس الليليين ، وبعض موظفي الحكومة الآخرين . والبعض الآخر من هؤلاء الموظفين كانت عائدات عملهم ما يعطيهم إياه أصحاب المعاملات أجرا على إتمام معاملاتهم ، ولا رواتب لهم . وكان حكام الولايات والايالات لا يتناولون راتبا . لا بل كانوا هم يؤدون المال إلى « فتح علي شاه » بدلا من أن تؤدى إليهم رواتب . وإلا لم يحصلوا على مناصب الحكم . ودخلهم مما يسلبونه من الناس . بل كان أبناء « فتح علي شاه » أنفسهم ، وأكثر حكم الولايات في أيديهم ، لا يحصلون على منصب الحكم ما لم يؤدوا مالا [ إلا ] إلى أبيهم . ولم يكن على « فتح علي شاه » من تكليف مالي مهم سوى تكليف واحد هو مخصصات الجيش . وكانت هذه المخصصات محتملة في أيام السلم . أما في أيام الحرب فكانت تصبح باهظة . ويمكن القول إن ما اضطر « فتح علي شاه » إلى بذله من مال نفقة للحرب الأولى بينه وبين القيصر كان هو همه الأصلي لا ما خسره من أرضه في تلك الحرب ! فإذا تحققت الدعوة إلى الجهاد عمليا وسار المجاهدون إلى أذربيجان ووصلوا إلى شمال نهر « أرس » ليحاربوا الجنرال « يرمولوف » فلا بد من أن يدخل « فتح علي شاه » في الحرب إذ كان « فتح علي شاه » يعلم أن المجاهدين لن يثبتوا في وجه الروس ، لأنهم ينقصهم العتاد الحربي والتدريب العسكري والدراية بفنون الحرب ، وأن « يرمولوف » سيتعقبهم متقدما في أرض إيران إلى أبعد مما في يده منها ، وحينئذ يضطر « فتح علي شاه » إلى ملاقاته بالجيش النظامي وتحمل نفقات مالية ثقيلة . وجميع المستندات التاريخية التي حصلنا عليها تدل على أن « فتح علي شاه » كان ، بعد معاهدة ، « گلستان » راغبا عن محاربة القيصر . فلما وصل « السيد محمد » وعلماء الشيعة المقيمون في بلاد ما بين النهرين إلى طهران استدعى « فتح علي شاه » ابنه « عباس ميرزا » من أذربيجان ، حيث كان يقيم ، إليه في طهران ، وباحثه في موضوع الإعلان بالجهاد . فكان رأي « عباس ميرزا » إرجاع « السيد محمد » ورفاقه إلى العراق وصرف النظر عن الجهاد ، لأنه سيؤدي إلى حرب شديدة بينه وبين القيصر ، حرب لا يعرف إلى أين تنتهي . فأمر « فتح علي شاه » ابنه ولي العهد بالذهاب إلى « السيد محمد » وإقناعه بان الصلاح في صرف النظر عن الجهاد . فذهب « عباس ميرزا » إلى منزل « السيد محمد » وعقد جلسة طويلة معه ومع العلماء الذين يرافقونه . وبرهن لهم في حوار طويل بالأدلة المنطقية وحساب الأرقام أن القيام بالجهاد أمر متعذر ، وأنهم يقدمون على مغايرة لن تعود على إيران بغير الضرر . وأفهمهم أنه وأباه موافقان على الجهاد مؤمنان بوجوبه على كل مسلم . فهذا أمر لا خلاف فيه . ولكن في إعلان الجهاد صعوبة لا يمكن تذليلها ، وهي توفير المال اللازم لنفقة المجاهدين . وبين لهم « عباس ميرزا » بالحساب أن إيران عاجزة عن توفير هذا المال . وقال : لو أن الشاه كان مستطيعا توفير هذا المال لما احتاج الأمر إلى الإفتاء بالجهاد لأن هذا المال ، لو توفر ، لكفى لتجهيز رجال العشائر ، وكان هؤلاء الرجال أكفياء للحصول على النصر . وشبه « عباس ميرزا » حالة إيران المالية بالقياس إلى حالة روسيا برجل فقير معدم يقاس بتاجر ثري . ولكن « السيد محمد » أصر على وجوب القيام بمجاهدة روسيا وظل مقتنعا بالتمكن منه ، مستندا إلى اعتبارات حماسية خيالية . واتهم « فتح علي شاه » بالخوف . فأجابه « عباس ميرزا » بقوله إن عنيت بالخوف الخوف من الجرح أو الموت برصاصة أو ضربة سيف أو طعنة رمح فأنت مخطئ . فلا أبي ولا أنا ولا جنودي نهاب الموت . نعم أبي يخاف من أن يوصلنا هذا الأمر إلى أصعب الشرين ، إذ يصبح إفلاسنا الجزئي كليا ! وما أجبرنا على قبول معاهدة « گلستان » لم يكن الخوف من الموت بل كان الفقر ! ولو توفر لنا المال لواصلنا تلك الحرب التي دامت عشر سنوات تسعين سنة أخرى . ولكن أعوزنا المال فعجزنا عن تهيئة نفقات الحرب . وكنا أحيانا نعجز عن إيصال الطعام إلى الجنود . واتفق مرة أن ظلت وحدة كبيرة من وحداتنا العسكرية خمسة أيام بلا طعام ، إذ عجزنا عن تهيئة المال اللازم لشراء الكفاف لها من الطعام ، فضلا عن الأسلحة والمهمات الحربية الأخرى ! وعدنا أمبراطور فرنسا بالمساعدة ولم يف بوعده . ووعدنا سفراء إنكلترا كذلك بالمساعدة ولم تف إنكلترا بهذا الوعد ، وآل أمرنا إلى أن فرضت معاهدة « گلستان » علينا فرضا ! ومع كل ما عرضه « عباس ميرزا » من أدلة وبراهين على أن الإعلان بالجهاد أمر غير عملي ولا نتيجة له غير الإضرار بإيران ، فإنه عجز عن إقناع « السيد محمد » ورفاقه بالعدول عنه . وانتهت تلك الجلسة الطويلة إلى نتيجة سلبية . وظل « السيد محمد » ورفاقه من العلماء مصرين على متابعة العمل للجهاد . وساء ظنهم بالشاه وولي عهده ، واتهموهما بمواطاة القيصر وموافقته . بل بلغ الأمر إلى رميهما بالمروق من الدين والارتداد ! وكانت تهمة جائرة باطلة . فقد كان « فتح علي شاه » وابنه « عباس ميرزا » مسلمين صادقين مواظبين دائما على إقامة شعائر الإسلام . وهذا أمر أجمع عليه الخاص والعام . وعاد « عباس ميرزا » إلى زيارة « السيد محمد » ورفاقه مرة ثانية . فقد أمره أبوه بان يطلب منهم العودة إلى العراق ، فذهب إليهم لهذه الغاية . واستغرقت المذاكرة بينه وبينهم مدة طويلة ، وتبين بعدها أن « السيد محمد » راغب عن العودة . والإنصاف يقتضي القول بان إصرار « السيد محمد » ورفاقه العلماء على الجهاد وتصلبهم في الثبات على عزمهم على المجاهدة أمر يستحق الاعجاب . إذ كان دافعهم إلى ذلك رسوخ إيمانهم وإخلاصهم لله ، وإن كانوا غافلين عن التفكير في عواقب هذا الجهاد ، أي شيء تكون ؟ وكان الخاصة يعلمون أن الناس لا يستطيعون الذهاب إلى الجهاد ، إذ لا أحد يستطيع تهيئة نفقاتهم . أما العامة فكان تفكيرهم طفوليا فجا يستسهلون الجهاد ويظنونه أمرا مستطاعا . فلما تبين لهم أن « فتح علي شاه » وابنه « عباس ميرزا » يخالفان الإفتاء بالجهاد لم يجد واعلة لذلك سوى أنهما قد واطا القيصر وانحازا إليه ، وخليا بينه وبين مسلمي القفقاس بتسلط عليهم . وكانوا يقولون لو صدرت فتوى بالجهاد في الحرب الأولى لما خسرت إيران ما خسرته من ولايات الشمال . ولو صدرت هذه الفتوى اليوم لاستطاع