تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
هي البادئة بالحرب لا إيران . فان كانت إيران هي البادئة بالحرب فلا شيء على إنكلترا . وهذا الشرط يعفي إنكلترا من كل مساعدة لإيران . والسبب هو أن الدولة الأوروبية التي يحتمل أن تحارب إيران إنما هي روسيا لا غيرها من الدول الأوروبية . وإذ كانت روسيا قد رضيت بما احتلته من أرض إيران وقنعت بما ربحته من معاهدة « گلستان » فان إنكلترا مطمئنة إلى أنها لن تحارب إيران يقينا ، ولن تكون هي البادئة بالحرب إذا وقعت . وإذ كانت إيران هي الخاسرة في معاهدة « گلستان » ، ولا تنفك مستاءة لما اغتصب من أرضها ، تسعى جهدها إلى استرداده ، فلا بد من أن تكون هي ، لا روسيا ، البادئة بالحرب إذا وقعت . فإذا حدث ذلك كانت إنكلترا غير ملزمة بمساعدتها ، وتركت الدولتين تتعاركان . وفي تعاركهما إضعاف لهما كليهما . وهذا ما تريده إنكلترا .

الاستعداد للحرب

إلى نهاية ثلاث سنوات من التوقيع على معاهدة « گلستان » لم يتحدث أحد في موضوع تعديلها . وكان « عباس ميرزا » قد أيس من الروس . فاضطر إلى تغيير نهجه السياسي وأخذ يتقرب من الإنكليز . وزاد في ابتعاده عن الروس أن السفير الروسي « يرمولوف » لم يعترف بولايته للعهد ، وأخذ يواطئ عليه أخاه « محمد علي ميرزا » ويعده بمساعدة روسيا له للوصول إلى العرش بعد وفاة « فتح علي شاه » . وانقاد له « محمد علي ميرزا » وأصبح طوع يديه . وجاهر « عباس ميرزا » بمعاداته للروس علانية . وشرع بتهيئة وحدات عسكرية منظمة مجهزة ، يساعده على ذلك الإنكليز ، وهو يأمل أن يستعيد ، في مستقبل قريب ما ألحق بروسيا من أقاليم إيرانية بمقتضى معاهدة « گلستان » أو استعادة معظمها على الأقل . وكان يرجو أن يحصل على مساعدة من إنكلترا إذا وقعت حرب بين إيران وروسيا من أجل ذلك . وفي 20 كانون الثاني سنة 1816 م الموافق 19 ربيع الأول سنة 1231 هسلم « أبو الحسن الشيرازي » سفير إيران في روسيا وزير الخارجية الروسي « الكونت نسلرود » مذكرة طلب فيها عقد معاهدة جديدة بين إيران وروسيا ، معاهدة تفصل ما أجمل وتوضح ما أبهم في معاهدة « گلستان » . وطلب إعادة الأقاليم الإيرانية التي استولت عليها روسيا إلى إيران ، أو إعادة بعضها ، على أن تؤدي إيران إلى روسيا ما تكلفته من مال نفقات الحرب . وأيد السفير الانكليزي في « بطرسبورغ » المطلب الإيراني . ولكن وزير الخارجية الروسي رده ردا قاسيا ، وعد تأييده تدخلا في شؤون روسيا غير مقبول . ورد الوزير الروسي على طلب السفير الإيراني بان روسيا إنما استلحقت تلك الأقاليم لأن أهلها أنفسهم رغبوا في الدخول في طاعتها . ومع ذلك فان القيصر قد أمر سفيره في إيران « الجنرال يرمولوف » بإعادة النظر في الحدود بين إيران وروسيا . وبعد وصول تقريره تعطي روسيا جوابها القطعي في هذا الموضوع . ولكن السفير الروسي « الجنرال يرمولوف » ظل مصرا على إبقاء الحدود بين الدولتين على ما قررته معاهدة « گلستان » ، وظل « عباس ميرزا » مصرا على استرداد الأقاليم المفقودة ، جادا في إقامة تجهيزات عسكرية بلغت من القوة والتنظيم إلى حد أهم السفير الروسي وشغل خاطره . وكان هذا السفير موقنا أن إيران مقدمة على الحرب لا محالة . وكانت تقاريره إلى البلاط الروسي تحذر دائما من ذلك . ولكن القيصر وسائر المسؤولين الروس كانوا يخالفونه في هذا الرأي ولا يكترثون بتقاريره ، مطمئنين إلى أن إيران لن تقدم على الحرب . وكانوا أيضا لا يريدون حربا إذ كانوا قانعين بما حصلوا عليه من أرض إيران . وفي سنة 1825 م الموافقة سنة 1241 هتوفي « الكساندر الأول » أمبراطور روسيا ، وخلفه أخوه « نيقولا الأول » . وفي سنة 1826 م الموافقة سنة 1241 هأرسل هذا القيصر إلى إيران سفيرا له فوق العادة اسمه « الأمير منشيكوف » ، وأرسل معه هدية ثمينة للشاه . واستقبله الشاه في « السلطانية » . واتفق أن كان « عباس ميرزا » قد حصل ، قبيل وصول « منشيكوف » ، على موافقة أبيه « فتح علي شاه » على إعلان حرب ثانية على روسيا . ولكن « منشيكوف » ومثله القيصر « نيقولا الأول » ، كان غافلا عن احتمال وقوع الحرب ، مطمئنا إلى جنوح إيران إلى السلام . وكان من مظاهر ذلك تلك الهدية الثمينة التي حملها معه من القيصر إلى الشاه . وكان من مظاهرة أيضا موضوع الأحاديث التي بدأ بها « منشيكوف » محادثته للشاه . فقد تحدث إليه في موضوع الصلح القائم بين الدولتين . ونبهه ، بالالتماس ، إلى لزوم إرسال مندوب عن الشاه إلى القيصر لتهنئته بالتاج وتعزيته بوفاة أخيه القيصر السابق . ولكن « فتح علي شاه » تلقى كلامه غير مكترث به .

عودة إلى موضوع الجهاد

كانت الأنباء يومئذ لا تنفك متواصلة عما يرتكبه الروس من ظلم وتعد على مسلمي الأقاليم الإيرانية التي احتلوها . ووصلت أنباء عن ذلك إلى العراق . فكتب المرجع الديني « السيد محمد الأصفهاني » ( 1 ) وكان يقيم في كربلاء ، رسالة إلى المسؤولين في بلاط » فتح علي شاه « قال فيها إن مجاهدة روسيا هي اليوم فرض واجب ، فما هو رأي ملك المسلمين ؟ وكان « فتح علي شاه » راغبا عن الإفتاء بالجهاد ، ومثله ولي العهد الأمير « عباس ميرزا » لعلمهما بأنه غير ممكن عمليا ، ولكنه كان يخشى غضب العامة وانحرافها عنه إذا خالف رأي رجال الدين ، إذ كانت العامة منقادة لهم ترى وجوب طاعتهم ومخالفة مخالفيهم . فلم يجد « فتح علي شاه » بدا من مسايرتهم فأجاب على رسالة « السيد محمد الأصفهاني » برسالة قال فيها : نحن لا ننفك دائبين على تذكر واجب الجهاد المبارك . وقد وضعت نفسي في سبيل نشر الدين وإعزاز الشريعة . فلما وصلت الرسالة إلى « السيد محمد الأصفهاني » بادر إلى الحضور إلى إيران ، ووصل إلى طهران في شهر شوال سنة 1241 ه‍ . فاستقبله الأمراء والعلماء استقبالا حافلا بالاحترام والمودة . وأكرم « فتح علي شاه » مثواه . وأرسل « السيد محمد الأصفهاني » إلى علماء إيران رسائل يدعوهم

هامش
( 1 ) هو الذي عرف بعد ذلك باسم السيد محمد المجاهد « راجع ترجمته في مكانها من ( الأعيان ) .