كان الصقالبة الروس ، من يوم عرفوا في التاريخ إلى هذا اليوم ، لا ينفكون يتزايد عددهم ويذيبون في عرقهم الأعراق الأخرى المجاورة لهم ، بسرعة عجيبة ، مثل على ذلك أن عدة الفنلنديين كانت في القرن الميلادي التاسع عشر أضعاف عدة الصقالبة الروس . والفنلنديون اليوم لا تتجاوز عدتهم ثلاثة ملايين ونصف المليون تقريبا في مقابل ثلاثة وثلاثين ومائة مليون صقلبي روسي .
وقد ذادوا من جهة الشمال والجنوب جيرانهم عن أرضهم واستولوا عليها واقتربوا في هاتين الجهتين من البحر إلى أقصى ما يستطيعون ، تساورهم أمنية القياصرة القديمة ، أمنية الوصول إلى البحار الدافئة . ومن أجل ذلك سعوا إلى توسيع مجال حكمهم في غرب بحر الخزر وشرقه . ولم يكن يعوقهم من جهة الشرق عائق مهم . فعبروا نهر « جيحون » و « سيحون » بسرعة ، وتقدموا نحو آسيا المركزية حتى بلغوا حدود تركستان الصينية من جهة وحدود « تركمانستان » من جهة أخرى وتوقفوا عند سواحل نهر « جيحون » و « مرغاب » و « أترك » .
أما في جهة غرب بحر الخزر فكان يصدهم عن التقدم عائق عظيم ، هو جبال القفقاس الشاهقة الصعبة ، الجبال التي كان القدماء يعتقدون أنها آخر الدنيا ويسمونها « جبل قاف » . ومع ذلك فسرعان ما اجتازوها وتقدموا حتى بلغوا ساحل نهر « أرس » ، متذرعين بدعوى أنهم يريدون حماية نصارى « كرجستان » . وأقاموا في حدود إيران لا يشغلهم عنها شيء سوى ما وقع بينهم وبين « [ نابليون ] ناپلئون » من مناوشات متقطعة ، امتدت من سنة 1805 م إلى سنة 1814 م ( 1220 - 1229 ه ) . بل كانوا ، حتى في هذه السنوات التسع ، لا ينفكون يمدون قواهم التي على حدود إيران بحشود جديدة مستريحة من الجنود كلما توقفت المناوشات بينهم وبين « [ نابليون ] ناپلئون » أو دخلوا معه في الصلح .
كان محالا أن تنجح خطة « [ نابليون ] ناپلئون » الفجة المهوسة ، خطة الهجوم على الهند من طريق إيران وبمساعدتها . وتبين « فتح علي شاه » أنه كان مخدوعا بأمله بان يتفوق على روسيا سبب انشغالها أحيانا بمناوشات حربية في غرب أوروبا . فما حلت سنة 1228 هحتى كان قد أيس من « [ نابليون ] ناپلئون » كليا . وكانت إنكلترا يومئذ قريبة من روسيا . فلم يجد بدا من الرضا بمعاهدة « گلستان » . ولكنه كان لا ينفك يرجو أن يتمكن من محاربة روسيا واسترداد الأقاليم التي فقدها بمقتضى معاهدة « گلستان » . وكان الإنكليز يشجعونه على ذلك ، بل إنهم وعدوه بالمساعدة . وغايتهم أن تستسلم إيران ، بهذا الأمل ، إليهم كليا ، إذ لم يكن « فتح علي شاه » يجد يومئذ من يرجو مساعدته غيرهم . وبذلك تطمئن إنكلترا إلى أنها قطعت الطريق على كل هجوم محتمل على أفغانستان والهند .
انتهت الحرب الإيرانية الروسية بعقد معاهدة « گلستان » في 29 شوال سنة 1228 هالموافق 12 تشرين الأول سنة 1813 م . وبدأت الحرب الثانية في 10 ذي الحجة سنة 1241 هالموافق 16 تموز سنة 1826 م .
وما بين الحربين انقضت ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وأحد عشر يوما تسالمت فيها إيران وروسيا على ما كان يبدو في الظاهر . ولكن البلاط الإيراني كان في هذه المدة لا ينفك يهيأ في السر أحيانا وفي العلن أحيانا لحرب أخرى . ولم تكن روسيا غافلة عن ذلك ، بل كانت تراقب أوضاع إيران مراقبة كاملة في جزئياتها وكلياتها .
وكانت روسيا في تلك الحقبة قد ارتفع شأنها في أنحاء العالم ، بعد أن ألحقت [ بنابليون ] بناپلئون تلك الهزيمة الشنعاء في مقاومتها له في هجومه عليها سنة 1227 هالموافقة سنة 1812 م .
وكانت إيران قد أنهكتها الحروب الداخلية ، ثم الحرب الأولى التي وقعت بينها وبين روسيا ، وطالت متتابعة تسع سنوات . ولم ينفعها بشيء استنجادها بفرنسا ثم إنكلترا . فاوضاعها الداخلية ، المعنوية والمادية ، مختلة مشوشة ، على حين كانت روسيا في أوج اعتزازها وانتصارها ، ولا مانع يحول بينها وبين التمدد إلى أرض آسيا .
وكان ولي العهد « عباس ميرزا » بفاطنته وما حنكته به التجارب يرى مسالمة روسيا واجتناب محاربتها ، إذ لا قبل لإيران بها وبقوتها ، ولن تعود محاربتها على إيران بغير الضرر . إلا أن أباه « فتح علي شاه » كان يصر على الحرب ولا دافع له إلى هذا الإصرار غير الغرور . فاضطر ابنه إلى التسليم برغبته وهو غير مقتنع .
وفي جملة ما غر « فتح علي شاه » بالنصر أن قيصر روسيا « الكساندر » كان قد توفي في 18 ربيع الثاني سنة 1241 هالموافق أول كانون الأول سنة 1825 م وخلفه ابنه « نيقولا الأول » . وذلك قبل نشوب الحرب الثانية بسبعة أشهر وستة عشر يوما . وحسب « فتح علي شاه » أن هذا القيصر ليست له كفاءة أبيه وقوته . وسواء أكان الأمر كذلك أم لم يكن فان أوضاع إيران الداخلية لم تكن مؤاتية ، بوجه من الوجوه ، لدخولها في الحرب .
من ذلك مثلا وضع « فتح علي شاه » العائلي . فقد كان أبناؤه متعادين متخاصمين . وكان « عباس ميرزا » يتفوق عليهم كلهم بما تحلى به من فضل ومعرفة وبصيرة وشجاعة وعزة نفس . ولكن إخوته كانوا يقاومونه بدلا من أن يساندوه ويعاونوه . حتى إنهم كانوا يسعون إلى منع وصول الامدادات إليه ، الامدادات المالية والعسكرية التي يحتاج إليها وهو في جبهة الحرب ، ليوقعوه في الهزيمة فينحط مقامه في أعين الناس والبلاط ، وقد يؤدي ذلك إلى خلعه من ولاية العهد وإحلال آخر منهم في مكانه . وقد خسر « عباس ميرزا » كثيرا من المعارك لحجب إخوته وأعوانهم المعونة عنه .
ومن ذلك تلاعب كبار موظفي الضرائب والشؤون المالية في الولايات بالأموال ، وتسلطهم على الناس باختراعهم عناوين مختلفة لضرائب وهمية يسلبون بها أموالهم بالغصب والإكراه .
ومن ذلك فساد طريقة التجنيد ، إذ ظلت في عهد « فتح علي شاه » كما كانت في عهد الصفويين . فقد كان اعتماد جيشه في الدرجة الأولى على رجال العشائر البدوية من كل الأعراق . وذلك بان تهيء كل طائفة منهم جماعة من الجنود الفرسان والمشاة تكون عدتها بحسب عدة أفراد الطائفة ، وتكون لوازم تهيئتها على نفقة الطائفة ، ومن ذلك تجهيزهم بالسلاح والخيول . ويأتي في الدرجة الثانية من الأهمية الفلاحون والقرويون من أهل النواحي الكثيرة السكان ، يتطوع بعض شبانها في الجيش براتب نزر .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 223
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٢٣