هذه خلاصة ما ذكره « سعيد نفيسي » . والظاهر أن هذه الحركة الجهادية لم تأت بنتيجة عملية .
معاهدة « گلستان »
بعد الهزيمة التي أوقعها الجنرال « كوتليارفسكي » بجيش « عباس ميرزا » في 20 تشرين الأول سنة 1812 م الموافق 13 شوال سنة 1227 ه ، وخيبة المفاوضات التي قام بها السفير الانكليزي « السير غور أوزلي » اضطر « فتح علي شاه » في سنة 1813 م الموافقة سنة 1228 ه ، وقد زحمته تلك الشدائد والأحداث ، إلى إرسال « أبو الحسن خان الشيرازي » إلى « قراباغ » للحصول على الصلح . والتقى هذا بالجنرال « رتيشتشوف » في محلة « گلستان » في المعسكر الروسي عند نهر « زيوه » من « قراباغ » . ووقعا معاهدة صلح بين إيران وروسيا في 12 تشرين الأول سنة 1813 م الموافق 29 شوال سنة 1228 ه . وعرفت هذه المعاهدة باسم « معاهدة گلستان » . وحضر توقيعها السفير الانكليزي « السير غور أوزلي » .
وبهذا انتهت تلك الحروب التي لم تحصل إيران منها على غير الخسارة ، ودامت أكثر من عشر سنوات ، من سنة 1218 إلى سنة 1229 ه ، إلى أن لجا البلاط الإيراني إلى إنكلترا لإخراجه من هذا المأزق .
وتقضي هذه المعاهدة بان ما كان في يد إيران من أرض في هذا التاريخ هو لإيران . وأن ما احتلته روسيا من أرض هو لروسيا . ويتعهد الطرفان بان يبقى عسكر كل منها حيث كان يوم إمضاء هذه المعاهدة ، لا يتجاوزه .
ويكون ما بين العسكرين هو الحدود الفاصلة بين إيران وروسيا ، إلى أن تعين ، فيما بعد ، الحدود تعيينا دقيقا واضحا بين البلدين .
وكان هذا الإبهام في الحدود وفي مقتضيات معاهدة « گلستان » سببا في تخطي إيران لهذه المعاهدة وادعائها الغبن ، وإقدامها على محاربة روسيا مرة ثانية . وكل ما حصل في هذه المعاهدة من فائدة هو إقامة سلام موقت متزلزل مدة ثلاث عشرة سنة ، من ذلك التاريخ إلى سنة 1242 ه . . . الموافقة سنة 1826 م ، بين إيران وروسيا .
ويتبين من هذه النتيجة أن أكثر أعمال الإنكليز إتقانا في هذه الوساطة إنما كان إبقاؤهم أصل الاختلاف قائما بين الدولتين غير محسوم وترك الحدود على وضع مبهم لتبقى الطريق إلى حرب أخرى مفتوحة دائما .
بعد ذلك أرسلت إيران « أبو الحسن خان » الشيرازي سفيرا لها إلى « بطرسبورغ » مع هدايا نفيسة . ودخل على القيصر رسميا في 20 كانون الأول سنة 1815 م الموافق 18 المحرم سنة 1231 هباحتفال فخم .
وفي سنة 1816 م الموافقة سنة 1231 هعزل القيصر الروسي الجنرال « رتيشتشوف » عن منصب القائد العام لجيش « كرجستان » ، ونصب في مكانه الجنرال « ألكسيس بتروفيتش يرمولوف » . وعهد إليه أيضا بسفارة روسيا في إيران . وفي 17 نيسان سنة 1817 م الموافق آخر جمادى الأولى سنة 1232 هدخل على « فتح علي شاه » في « [ السلطانيية ] السلطانية » ، إذ كان يومئذ مقيما هناك . وحمل السفير هذا إلى الشاه هدايا نفيسة .
مقدمات الحرب الإيرانية الروسية الثانية
تصالح إيران وروسيا الذي اقتضته معاهدة « گلستان » المعقودة بينهما سنة 1228 هلم يكن تصالحا مستقرا . ولم يدم أكثر من ثلاثة عشر عاما .
فقد ظلت الحدود بين الدولتين مبهمة . ولو أنها بينت بخط حدودي معين لما بقي مجال للخلاف ، واستقر الوضع استقرارا إن لم يكن دائما فإلى مدة طويلة على الأقل . وقد تعمد الإنكليز ، وهم واسطة انعقاد تلك المعاهدة ، جعل هذا الخلل فيها ليبقى الوضع بين الدولتين قابلا للخلاف دائما .
وكان هذا التدبير من جملة التدابير التي اتخذتها إنكلترا لابقاء إيران ضعيفة ، إذ يصرفها انشغالها بالخلاف عن التقوي ، فلا يخشى منها هجوم على الهند أو مساعدة منها لغيرها على الهجوم . ومن أجل ذلك أيضا ساعدت انكلترا على اقتطاع « هرات » وقسم من إقليم « سيستان » من إيران ، وضمهما إلى أفغانستان . واقتطعت أيضا منها قسما من إقليم « بلوجستان » وضمته إلى الهند ، وهو اليوم تابع للباكستان . وهذه النواحي كانت دائما جزءا من إيران . وباقتطاعها أبعدت إنكلترا إيران عن حدود الهند وأضعفتها . وظروف إيران كلها تضطرها إلى الرضوخ للسيطرة الإنكليزية .
وبذلك أمنت إنكلترا جانبها ، وأصبحت طريق الهند مصانة في يدها .
وطريق الهند هذه هي الجنوب من أفغانستان الواقع في شمال الهند « الباكستان » ، وما يتصل به من نواحي آسيا المركزية . وكلها كانت في تلك الحقبة خاضعة للسيطرة الإنكليزية .
وهذه النواحي كانت ، من أزمنة قديمة ، أسهل الطرق لغزو الهند .
فالإسكندر المقدوني غزا الهند سنة 327 قبل الميلاد من طريق آسيا المركزية وأفغانستان . ومنها غزاها العرب سنة 659 م الموافقة سنة 39 هوفتحوا إقليم « الملتان » و « السند » . ومنها غزاها « ناصر الدين سبكتكين » مؤسس الأسرة الغزنوية المالكة في إيران . وبعده سلكها أيضا ابنه « محمود الغزنوي » إلى الهند ، واستمر غزوه لها من سنة 390 إلى سنة 418 وفتح الملك « محمد بن سام الغوري » مدينة « لاهور » الهندية سالكا هذه الطريق . وغزا « جلال الدين فيروز شاه الخلجي » الهند سنة 869 همن طريق أفغانستان . وغزاها من هذه الطريق الملك الأفغاني « شير شاه سوري » سنة 947 هومنها غزا الهند « تيمور لنك » في سنة 800 ه . ومثله الأمير التيموري « ظهير الدين بابر » غزاها من هذه الطريق في 15 شعبان سنة 937 ه . وغزا « نادر شاه » الهند في سنة 1152 همن هذه الطريق .
وغزاها « أحمد خان دراني الأبدالي » ملك الأفغان سبع مرات من سنة 1161 هإلى سنة 1180 ه .
لقد غزيت الهند من قبل شتى الفاتحين ، من زمن الإسكندر المقدوني إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري ، ثلاثا وثلاثين مرة . وكلهم غزاها من طريق آسيا المركزية وأفغانستان هذه . وبهذا يثبت أن أحسن الطرق لغزو الهند إنما هو النواحي الواقعة في شمالها . ولذلك أراد « [ نابليون ] ناپلئون » أن يغزوها أيضا من هذه الطريق . وما أكثر ما سعى قياصرة روسيا إلى احتلال أقاليم آسيا المركزية ليقتربوا ، ما أمكنهم الاقتراب ، من حدود الهند .
وتضمنت خطة إنكلترا للسيطرة على هذه الطريق صرف إيران عن التفرغ لتقوية نفسها باشغالها بالخلافات الواقعة بينها وبين روسيا .